فنانون كثر تقمصوا شخصية البواب في السينما المصرية، لكن أشهرهم وأكثرهم تفوقاً في الأداء، وأمتعهم ظهوراً على الشاشة، يظل الفنان الراحل عبدالغني النجدي، الذي يعرفه المشاهدون شكلاً، ويجهلونه سيرة وتاريخاً، وربما اسماً أيضاً.

لا نبالغ لو قلنا إنه في حقبة ما من تاريخ السينما المصرية، كان النجدي هو زبدة الفيلم المصري وفاكهته الشهية، ونجمه الجالب للمتعة، بعفويته وتلقائيته ولهجته الصعيدية، وشواربه المميزة، وتصنعه الغباء أحياناً، ناهيك عن أفيهات خاصة مضحكة اشتهر بها، مثل «مليح قوي يا خال».

فمن منا لا يتذكره في دور الخادم الذي يحمل صينية الديك الرومي في أيقونة المخرج صلاح أبو سيف، فيلم «بين السماء والأرض/1959» ودور«عوكل» في فيلم «الفانوس السحري/1960»، ودور الغفير «بسطاويسي» في فيلم «زوجة لخمسة رجال/1970»، ودور «عوكل» بائع العرقسوس في فيلم «إسماعيل يس في الجيش/1955»، ودور «حمزة» العبيط، الذي يأتي مع أمه الممثلة «سامية رشدي»، لطلب يد زهرة العلا في فيلم «أنا وبناتي/1961»، ودور موزع الخبز الطيب «سلامة»، في فيلم «الملاك الصغير/1957».

هذا علاوة على أدواره المتميزة مع إسماعيل يس في معظم الأفلام التي حملت اسم الأخير، أو كان الأخير بطلها، مثل: «إسماعيل يس في الأسطول»، و«إسماعيل يس في البوليس»، و«العتبة الخضراء»، و«لوكاندة المفاجآت»، و«عفريتة إسماعيل يس»، و«المليونير الفقير»، و«إسماعيل يس في الجيش»، و«إسماعيل يس للبيع»، و«صاحبة العصمة»، و«حلاق السيدات».

وعلى الرغم من أن النجدي أدى بنجاح أدوار الخادم والشاويش والغفير والبائع المتجول والريفي خفيف الدم، والمأذون والحلاق واللص، في نحو 335 فيلماً من أفلام الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، إلا أن براعته الحقيقية تجلت في أداء دور «البواب» بحرفية مدهشة.

ولد النجدي في 6 ديسمبر 1915، في قرية المشايعة بمحافظة أسيوط، لعائلة تعود جذورها إلى منطقة نجد بوسط السعودية، وتوفي في القاهرة في 20 مارس 1980، عن عمر ناهز 65 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً سينمائياً عريضاً.

وهو لئن بقي في الظل يؤدي الأدوار الصغيرة ذات المساحات المحدودة، فإنه ترك بصمة لا تنمحي في تاريخ الفن المصري. أما دراسته، فقد كانت بمدرسة الفنون التطبيقية، التي تحولت لاحقاً إلى كلية، ثم درس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، التي تخرج فيها بنجاح.

مسيرته الفنية بدأها بدور صغير في فيلم «علي بابا والأربعين حرامي/1942»، لكن الفيلم الذي لفت الأنظار إليه، كان «شارع محمد علي/1944». بعد ذلك توالت عليه العروض، فشارك كبار النجوم في مئات الأفلام والأعمال الخالدة. كما أنه شارك بالتمثيل في عدد قليل من المسلسلات، مثل: «جراح عميقة»، «الرجل الغامض»، «الرجل الثالث»، «المدينة الهادئة»، «الهروب»، و«عيون».

وأخيراً، فإن ما قد لا يعرفه الكثيرون عن النجدي، الذي تزوج مرة واحدة في حياته من المطربة بديعة صادق (خالة الفنانة إسعاد يونس)، وأنجب منها ولده الوحيد خالد النجدي، الذي دخل مجال التمثيل، وأقام وعمل لعدة سنوات في الكويت، هو أنه كتب قصص العديد من الأفلام السينمائية الكوميدية، وكان يبيعها للمخرجين مقابل 10 جنيهات، وبشروط مجحفة، مثل عدم ظهور اسمه على العمل.

فعلى سبيل المثال: هو من كتب قصة فيلم «إجازة بالعافية»، للمخرج نجدي حافظ في عام 1966، وهو من كتب حوار فيلم «بنات بحري»، للمخرج حسن الصيفي سنة 1960، وهو من شارك في كتابة أغاني فيلم «السر في بير»، للمخرج حسن حلمي، الذي عرض في 1952. اشتهر النجدي في الوسط الفني بأنه كان يؤلف النكات والمونولوجات، ويبيعها لكبار نجوم الكوميديا في زمنه، بمبلغ جنيه واحد، وكان من زبائنه الدائمين، إسماعيل يس ومحمود شكوكو.