والقلب الفياض بحب هذا الوطن وأبناء هذا الشعب، كتبه ترشيداً للمسيرة، وإثراء للوعي، وتبصيراً للأجيال القادمة بحقائق هذه الحياة وطبيعة التحديات وفلسفة المواجهة مع كل الصعوبات، وهو لَعَمْرُ الحق كتاب جم الفوائد، عظيم النفع، قادر على الإلهام وصقل الشخصية، واصل به صاحب السمو مسيرته المتميزة في بناء هذا الوطن وإنسانه الطيب الأصيل.
ويربط على نحو بديع بين النجاح وبين اليقظة لقيمة الوقت، تماماً كما يربط بين الفشل وبين إهدار الوقت، لأن كل دقيقة في نظر صاحب السمو لها قيمة في ذاتها وما ينتج عنها من آثار، وهذا هو السبب في محافظته على كل دقيقة من دقائق العمل والإنجاز وتذوق طعم الحياة الجميل.
«أعرف أن الوقت الذي يمضي لن يعود والدقيقة التي لا تنجز فيها لا تُحسب من عمرك، وعندما ترتبط كل دقيقة لديك بمصالح الملايين من البشر تصبح قيمتها أعلى بكثير»، فكلما اتسعت دائرة المسؤولية كانت قيمة الزمن أكثر خطورة وأهمية، ثم يضرب صاحب السمو أمثلة عملية على استثمار الزمن وضغط المدة في مواجهة التراخي والترهل فيقول:
«كانت لدينا مشاريع تتطلب سنوات، طلبت من فريقي إنجازها في عام، وأنجزوها، كان لدينا أهداف في خططنا تتطلب 10 أعوام، طلبت منهم الانتهاء منها في 3 سنوات، وأنجزوها»، وملحوظ ما في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من الثقة والرهان على الإرادة الإنسانية في استثمار الزمن وعدم تبديد الوقت في انتظار الإنجاز الرتيب البطيء الذي يقتل روعة الإنجاز، وقيمة الشعور بأهمية الزمن.
والمشروع الذي يتطلب عاماً يمكن الانتهاء منه في أشهر، وكل ذلك يعتمد على تقديرك واحترامك لوقتك، ومن واقع الحياة العملية يستلهم صاحب السمو فكرة حبه لسباق الخيل لأن الفوز في معظمها قد يكون متوقفاً على ثانية واحدة تكون هي الفارق بين الفوز والخسارة، وتأسيساً على ذلك يطور صاحب السمو فهمنا للحكمة المشهورة: «في العجلة الندامة» ليجعلها بدلاً من ذلك في مجال التنمية: في العجلة الفوز والسلامة.
ومثلها في احترام الوقت وتقديره الصين وكوريا الجنوبية وألمانيا، ليطرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سؤالاً لاذعاً ينتقد فيه آفة تضييع الوقت لا سيما في عالمنا العربي حين يقول: «لو كان لدينا سوق للدقائق كما لدينا سوق للعملات، كم ستكون قيمة الدقيقة اليابانية مقابل الدقيقة العربية؟ الفرق في قيمة الدقيقة سيعطيك الفرق في السنوات التي تحتاجها منطقتنا للحاق بهم».
وتم تنفيذ ذلك، ما يدل على أن البيروقراطية ليست قدَراً مكتوباً على جبين الحكومات العربية، بل يمكن مواجهتها وتغيير مسارها، والتقليل من آثارها السلبية على المجتمع، لكن ذلك يحتاج إلى إدراك طبيعة المشكلة واتخاذ القرار الشجاع في مواجهتها، لأن جميع المفاسد الناشئة عن البيروقراطية هي عبارة عن دقائق متناثرة هنا وهناك، فيتجمع منها هذا الجبل الهائل من العقبات والصعوبات في وجه العملية التنموية التي تتطلب حكمة التشخيص وشجاعة التنفيذ.
وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «على قدر احترامنا لدقيقة كل إنسان، على قدر احترام كل إنسان لنا وتقديره لخدماتنا، وهكذا نبني ثقافة احترام الوقت في مجتمعنا».
وأسس عشرين مدينة تحمل اسمه، وأما الآخر فهو هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي قاد الجيوش حين كان عمره ستة عشر عاماً، وتولى الخلافة في سن العشرين، وبلغت الدولة في عهده أعظم مساحة بلغتها إمبراطورية إسلامية ما زلنا نتحدث عنها بكل فخر واعتزاز إلى هذا اليوم.
«تقديرنا للدقيقة يعطينا تقديراً لمدى خلود أعمالنا وعظمة إنجازاتنا، كلما كانت الدقيقة عظيمة، كانت الإنجازات أعظم وأبقى وأدوم»، ليصمم على منهجه في الحياة قائلاً: «ولذلك أنا مستعجل، وسأبقى».