استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة والتي أصدرتها إدارة ترامب الشهر الماضي تمثل حالة فريدة، إذ تنطوي على تناقضات عدة وارتباك واضح.

والتناقض الذي لا تخطئه العين والأكثر خطورة، في تقديري، هو تلك الهوة الواسعة بين الاستراتيجية كوثيقة مكتوبة، وبين ما تم تنفيذه على أرض الواقع. فالإدارة التي تشير في أول الوثيقة إلى «القوة الناعمة» باعتبارها إحدى الأدوات المهمة في صنع السياسة الخارجية، هي ذاتها التي تقوض بانتظام تلك القوة منذ يومها الأول بالحكم. و«القوة الناعمة» مصطلح صكه جوزيف ناي للإشارة إلى ما وصفه «بالجاذبية» كقوة لا يستهان بها، بدءاً بالموسيقى والفن وصناعة السينما ومروراً بالجامعات الأمريكية، ووصولاً لجاذبية «النموذج الأمريكي» الذي يقوم في جوهرة على أن أمريكا «أمة من المهاجرين» يستطيع فيها أي فرد باجتهاده فقط الوصول لأعلى السلم الاجتماعي. والتناقض هنا لا ينبع فقط من أن لا أثر على الإطلاق لدور «القوة الناعمة» في باقي الوثيقة، وإنما من أن سياسة الإدارة لا تجسدها. فهي اتخذت، مثلاً، إجراءات صارمة منعت من خلالها التبادل الطلابي والتحاق الأجانب بالجامعات الأمريكية، فضلاً عن الحملة غير المسبوقة على المهاجرين والزوار الأجانب، بمن فيهم الأوروبيون، مما نتج عنه تراجع في عوائد السياحة وانهيار واضح لشعبية أمريكا حول العالم.

التناقض بين القول والفعل يتجلى أيضاً في الجزء الخاص بالشرق الأوسط. فالوثيقة تنص على أن الأسباب التاريخية للتركيز على الشرق الأوسط تراجعت، وبالتالي فإن «المسألة ليست أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، وإنما لم يعد يمثل إزعاجاً مستمراً ولا مصدراً محتملاً لكارثة وشيكة». وتؤكد الوثيقة أن ذلك معناه مواجهة التهديدات أيديولوجياً وعسكرياً، دون الانخراط في حروب لا طائل من ورائها وتمتد عقوداً تحت شعار بناء الدول. لكن الواقع يقول إن الولايات المتحدة ظلت فاعلاً محورياً بالمنطقة في عام ترامب الأول، بما في ذلك عبر القوة العسكرية في اليمن وسوريا وإيران، بل وعبر الإنفاق العسكري الهائل في شكل مساعدات عسكرية لإسرائيل تخطت 25 مليار دولار في العامين الأخيرين. بل استخدمت الإدارة أكثر الأسلحة الأمريكية تكلفة لقصف المفاعل النووي الإيراني. ثم إن خطة ترامب الخاصة بغزة تمثل واقعياً دوراً أمريكياً من قبيل «بناء الدولة» الذي رفضته الوثيقة!

أما الارتباك، فمصدره اختلاط الأيديولوجيا بالأهداف والسياسة. وهو الأكثر وضوحاً في الشق الخاص بأوروبا، الحليف الأهم لأمريكا تقليدياً. فرغم اعتراف الوثيقة بأن أمريكا «لا تملك ترف تجاهل أوروبا»، تُغلّب إدارة ترامب الأيديولوجيا. فعند هذه الإدارة، أزمة أوروبا الحقيقية، والأهم من أزمات القارة الاقتصادية، هي أزمة «المحو الحضاري» الناشئة عن سياسات تتبعها دول القارة ومنظماتها، فيما يخص الهجرة والتي سيستحيل معها «خلال عشرين عاماً أو أقل التعرف عليها»، إذ إن «الكثير من دولها» ستكون فيها الأغلبية «غير أوروبية»، أي غير بيضاء!

أكثر من ذلك، تكرر الوثيقة هجوم نائب الرئيس الأمريكي، في أول زياراته لأوروبا، حين اتهمها بتقويض الديمقراطية عندما تضع قيوداً على الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفاً فتمنعها من الوصول للحكم. بل إن الوثيقة تقول صراحة إنها ستتدخل في الشأن الداخلي لدول أوروبا، فتقول إن أمريكا «ستزرع المقاومة للمسار الأوروبي الحالي من داخل تلك الدول».

وتغليب الأيديولوجيا يخلق تناقضات أخرى، ففي الوقت الذي لا تقبل فيه من حلفائها ما أسمته بتقويض الديمقراطية حين لا يخدم ذلك أحزاب اليمين الأيديولوجي، فإنها تلتزم الصمت تجاه طبيعة النظام السياسي الروسي، بل وتشجع دول أوروبا على التعامل معه من واقع الثقة بالذات الحضارية. وهي ترفض المنظمات الأوروبية حين توافق جمعياً على سياسات للهجرة تغير من وجه أوروبا البيضاء، بينما تذكر في موضع آخر أنها ستساعد أوروبا «لتقف على قدميها وتتحرك كمجموعة من الدول الحليفة ذات السيادة، بما في ذلك تولي المسؤولية الرئيسية في الدفاع عن نفسها!».

ومصدر تناقضات الوثيقة وارتباكها، في تقديري، هو أن الوثيقة لا تخاطب العالم، ولا حتى عموم الأمريكيين، وإنما تخاطب جمهور ترامب وحده، أي تيار اليمين الأيديولوجي الذي تنطوي مواقفه نفسها على تناقضات مماثلة!