لا نزال إلى اليوم نسمع بين الحين والآخر من محطات الراديو العربية لأغنية «آمنت بالله.. نور جمالك.. آية من الله»، على الرغم من أن كاتب كلماتها (الشاعر التونسي مصطفى خريف)، وملحنها (الموسيقار اللبناني/المصري فريد غصن) رحلوا عن دنيانا منذ أمد بعيد، في عامي 1967 و1985 على التوالي، ثم لحقتهما مؤدية الأغنية الفنانة «لور دكاش» في 12 أكتوبر 2005، وهذا يعكس حقيقة أن الفن الجميل واللحن الأصل يعمر طويلاً، ولا ينطفئ بسرعة البرق، ويتجدد مع توالي الأجيال، ولا يصدأ أو يتكلس بمرور الزمن.
للمطربة لور دكاش أغانٍ كثيرة مثل: «لا، مستحيل»، «أنا طبعي كده»، «أنا قلت لك الحب نعيم»، «أول نظرة»، «ليل الأشواق»، «كل اللي شافوكي»، «قطتي الغضبى»، علاوة على الأغنية الوطنية «يا روح سعد قد سكنت قلوبنا»، التي غنتها لسعد زغلول، غير أن أغنيتها الأشهر تبقى «آمنت بالله»، التي غنتها عام 1939، ولا تزال محتفظة بجمالها وهي تخطو نحو عامها السابع والثمانين.
ولور دكاش، التي أحب الكثيرون أغنتيها هذه، دون أن يعرفوا عنها شيئاً، هي مطربة وممثلة مارونية، ولدت في بيروت بتاريخ 24 مارس 1917، لأب محب للشعر والغناء من تجار الأقمشة والمنسوجات، ولأم تعزف وتغني على العود. اكتشف والدها موهبتها الغنائية حينما استمع لها وهي في السابعة من عمرها تغني أغنية أم كلثوم «مالي فتنت بلحظك الفتاك»، فعهد بها إلى الموسيقار بترو طراد، ليعلمها العزف على العود والتدوين الموسيقي، ثم تركها عند الموسيقار سليم الحلو، ليدرسها حفظ الموشحات.
ولأنها مسيحية مارونية، فقد نشأت وهي تتردد على الكنائس، ما جعلها تتأثر بالترانيم في الكنسية، وتتشرب فنون الغناء الديني، وهكذا فإنها عند مجيئها مع والدها إلى مصر للزيارة في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت مستعدة لخوض تجربة الغناء المصري بأشكاله المختلفة، لكنها أرادت أن تعمق أولاً دراستها لفن الأدوار والموشحات والطقاطيق، فتحقق لها ذلك لاحقاً حينما عادت في الأربعينيات إلى مصر للاستقرار، إذ تتلمذت على أيدي فنانين كبار مثل مرسي الحريري ومحمود صبح وعبدالعزيز محمد، ولهذا السبب قيل إنها تمثل نقطة تقاطع محورية بين الأصول اللبنانية العريقة والتراث الموسيقي المصري الكلاسيكي، بل أطلق عليها بعض الصحفيين لقب «أم كلثوم لبنان»، لأنها لم تكتف بتقليد موشحات أم كلثوم القديمة فقط، وإنما تجاوزت التقليد لتؤسس نمطاً فريداً، يجمع بين الدقة في أداء الموشحات والقدرة على ابتكار لون غنائي جديد على نحو ما تجلى في أغنية «آمنت بالله».
ولأن هذه الأغنية جمعت بين بساطة اللحن وعمق الفكرة الدينية وقوة الأداء، فإنها تجاوزت الحواجز الفنية والطبقية، ونجحت في الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع المصري إلى درجة أنها كانت تعزف على المزمار في الأرياف، وتعزف على البيانو في الصالونات الأرستقراطية في آن.
في عام 1945، قررت الإذاعة المصرية أن تكون لور دكاش إحدى نجماتها، فشدت لأول مرة على الهواء مباشرة بقصيدة «أغاريد من ذكرى هواك» لشاعر الكرنك أحمد فتحي، ثم سجلت لحساب الإذاعة المصرية عشرات الأدوار والموشحات والطقاطيق والمواويل، وغنت في حفلاتها، وصارت نجمة من نجومها. إلى ذلك، شاركت بالتمثيل في فيلم أنشودة الراديو سنة 1936، ثم أدت دور البطولة في فيلم «الموسيقار» سنة 1946، لكن الفيلم سقط سقوطاً مدوياً، وهو ما جعلها تعتزل التمثيل نهائياً.
ولعل أحد ميزات دكاش أنها احترفت التلحين والتأليف والغناء في زمن كان فيه الجميع يعتمد على الملحنين الذكور، فكسرت الوصاية الذكورية على المبدعات، كما أنها ركزت على تلحين وغناء الشعر العربي الرصين والعميق من دواوين شعراء مثل إيليا أبو ماضي وبشارة الخوري وصالح جودت ومحمود حسن إسماعيل، وابتعدت في أعمالها عن أساليب الميوعة والدلع والخفة، التي كانت سائدة آنذاك في الغناء، وتجنبت أيضاً أسلوب الغناء العاطفي الدرامي، واختطت لنفسها أسلوباً محافظاً مستمداً من الغناء الكنسي اللبناني.
