الموجة الشعبوية، التي بدأت تتصاعد في منتصف العقد الماضي، والتي أدت إلى تحول في السياسة بالولايات المتحدة والبلدان الديمقراطية الصناعية المتقدمة الأخرى، لم تأخذ مجراها بعد، وإذا ما كانت هناك شكوك تراود البعض حيال هذا الأمر، فما عليهم سوى النظر في نسبة الدعم، الذي حظي به الحزب اليميني المتطرف الألماني في استطلاعات الرأي في ذلك البلد، والبالغة 21%، أو تقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بـ 38 نقطة على قائمة مرشحي الحزب الجمهوري لعام 2024، على الرغم من لوائح الاتهام الجنائية المتعددة ضده.
وأخذاً في الاعتبار المخاطر، التي تشكلها على الوحدة السياسية والاستقرار في المجتمعات الغربية، واحتمال عدم تمكننا يوماً من إجراء بحث جيد كاف حول كيفية تطور هذه الظاهرة في المقام الأول، كان لافتاً التحليل، الذي قدمه ثلاثة علماء اجتماع أمريكيين أخيراً، واعتمادهم موقفاً مشككاً حيال الرأي السائد في هذه الظاهرة، بأن الشعبوية تجسد مظهراً من مظاهر غضب الناخبين، أو «سخط الناخبين» كما يطلق عليها أحياناً.
تسأل دراستهم عبر عنوانها: «هل الغضب يدفع بصعود النزعة الشعبوية؟»، وتجيب بالإيجاب مع تحذير أساسي هو أن الغضب وحده لا يمكن أن يفسر التحولات الأخيرة في التصويت في الولايات المتحدة لصالح المرشحين الشعبويين (من اليسار واليمين)، وبدلاً من ذلك يعكس هذا التوجه مزيجاً أوسع من المشاعر السلبية، مثل الحزن والتوتر والقلق. وهو تصوير للشعبوية، لا يعبر فقط عن مجرد استياء وامتعاض، بل عن قنوط وخيبة أمل.
هذا واعتمدت بيانات مؤلفي الدراسة على دراسات «غالوب»، حيث طلب منظمو استطلاعات الرأي من ألف شخص وصف مشاعرهم الشخصية يومياً على امتداد الفترة من عام 2008 إلى عام 2017، فجاءت الاستطلاعات بعدد كبير من الردود، 3.5 ملايين رد، كافية لتقدير معدل مستويات الغضب، وغيرها من المشاعر، بما في ذلك المشاعر الإيجابية في كل مقاطعة في الولايات المتحدة، خلال الفترة ذات الصلة.
ووجد علماء الاجتماع، رومان واكزيارج من جامعة كاليفورنيا، وعمر علي من جامعة ديوك، وكلاوس ديسميت من جامعة ساوذرن ميثوديست، أن متوسط مستوى الغضب في المقاطعات الأمريكية ارتبط إيجابياً مع أعلى حصص تصويت اقتطعها دونالد ترامب، والسناتور الاشتراكي بيرني ساندرز، في الانتخابات التمهيدية للحزبين الجمهوري، والديمقراطي في عام 2016 على التوالي.
وتلك العلاقة نفسها انطبقت على ما اقتطعه ترامب كحصة من التصويت بالانتخابات العامة عام 2016، ومن الجدير بالذكر أن المقاطعات الأكثر غضباً صوتت أيضاً بقوة أكثر لترامب في عام 2016 ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، مما فعلت في عام 2012 للمرشح الجمهوري ميت رومني ضد الرئيس باراك أوباما، لكن مؤلفي الدراسة بحثوا أعمق فوجدوا كما أشار مقالهم الصادر في يونيو كورقة عمل من قبل المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن «الغضب لم يعد يعمل كقناة منفصلة في الدفع بحصص التصويت الشعبوي»، وبدلاً من ذلك فإن «إحساساً أكثر تعقيداً بالضيق والكآبة بدلاً من الغضب بحد ذاته هو الذي يقود صعود النزعة الشعبوية».
وهذا الأمر منطقي من الناحية النظرية والتجريبية، فلا توجد علاقة بالضرورة بين الغضب والاستياء. ومن الناحية التجريبية لم تكن بعض المقاطعات وسط البلاد، والتي صوتت بقوة لصالح ترامب في عام 2016 بين أكثر المقاطعات غضباً، وحيثما كانت مقاطعات ترامب أكثر غضباً من المعتاد كثرت فيها- للأسف- أسباب الشعور بالقلق أو التوتر أو الحزن: مثل تراجع التصنيع أو التعاطي المفرط للمواد الأفيونية والكحول، مع ما يصاحب ذلك من إدمان أو «وفيات بسبب اليأس».
ومن المؤكد أن تلك المقاطعات كانت غالباً أماكن يسود فيها البيض غير المتعلمين بالجامعات من الناخبين، وهذا يتفق مع تحليلات الشعبوية اليمينية، التي تنسب الظاهرة إلى الامتعاض العنصري.
بالتالي دراسة علماء الاجتماع «هل الغضب يدفع بصعود النزعة الشعبوية؟» تضيف مجرد فارق بسيط، من دون أن تتعارض مع وجهة نظر علماء السياسة، بيبا نوريس ورونالد انجلهارت، بأن النزعة الشعبوية اليمينية تنبع من «رد فعل ثقافي» لمحافظين اجتماعياً يشعرون بأنهم محاصرين بقيم ما بعد الحداثة.
وهي لا تقدم أي تكهنات بشأن الأسباب، وذلك لسبب وجيه، وهو أن استطلاعات «غالوب» لا توفر أي أسس للقيام بذلك: فالاستطلاعات لم تتطلب من الناس شرح سبب شعورهم بالغضب أو مشاعرهم الأخرى. كذلك تغيرت الظروف، بما في ذلك سلوك ترامب المتدهور باستمرار، بشكل كبير منذ البيانات، التي استخدمها المؤلفون. ومع ذلك هنا الكثير يمكن تعلمه من هذه الدراسة بشأن سلوك الناخبين.
ترجمة: نهى حوا