منّ الله علينا في هذا الشهر العظيم بنعم لا تعدّ ولا تحصى؛ من مغفرة ذنوب، ومن عتقٍ من النار، ومن عظيم أجور، ومن أعظم نعم الله علينا أن أنزل لنا هذا الكتاب الذي جعله سبباً للهداية إلى الطريق المستقيم، ومبشراً لأهل الإيمان بكبير الأجر، وجزيل الثواب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9)﴾[الإسراء: 9].
خص الله رمضان بهذا الشرف العظيم حيث أنزل فيه أجل الكتب، وأعظمها، كتاباً حوى بين دفتيه كل خير؛ فهو الشفاء لما في الصدور من الشبهات، والراحة للنفس من المقلقلات، فيه الرقية الشافية من الحمات، ومن العيون اللامات، لو قرأه الناس وداوموا عليه، كان كافياً لهم عن كثير من الأدوية والمهدئات، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ...(82)﴾[الإسراء: 82]
إنه القرآن الكريم الذي أنزله الله في رمضان فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾[البقرة:185] القرآن الذي كان جبريل عليه السلام يدارسه رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام مرة، أو مرتين، فلما كان العام الذي توفي فيه دارسه مرتين، كما قالت فاطمة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أخبرها: «أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب»
يكفينا راحة وطمأنينة أن هذا القرآن كلام ربنا، كلام خالقنا بين أيدينا، نحمله معنا أينما ذهبنا. معجزة نبينا الباقية، الخالدة، المحفوظة من التحريف والتبديل إلى أن يرفعه الله تعالى. لقد كان الأنبياء يأتون بمعجزات ثم تذهب بذهابهم، فلما كانت الرسالة الخاتمة، رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، جعل الله معجزته باقية مع أمته، تأنس بها القلوب، وتثقل بها موازين الحسنات، ويطلب بها الشفاء، والعافية.
يا باغي الأجر والثواب، عليك بكتاب ربك الكريم؛ فإنه مائدة عظيمة للأجر والثواب، كما قال عبدالله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». فتخيل كم من الحسنات في الصفحة الواحدة! وكم في الجزء! وكم في ختمة القرآن من حسنات! إذا كان الحرف الواحد بعشر حسنات، فكم ضيعنا من الحسنات بترك تلاوة القرآن؟! وكم خسرنا من الراحة والاطمئنان بالبعد عنه! فقد آن الأوان أن نرجع لكتاب الرحمن، وننفق فيه الأوقات والأعمار، كما كان سلف الأمة وخيارها يفعلون.