رمضان شهر طيب مبارك اختصه الله تعالى بكثير من الفضائل، فجعل صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعاً، وجعله ركيزة من ركائز الصلاح والفلاح والرشاد، فيه ليلة خير من ألف شهر، من رزق خيرها رزق الخير كله، ومن حرم خيرها فاته الكثير من الخيرات، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدى للنَّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ الآية 185 من سورة البقرة.
وفي رمضان تعظم مسؤولية القيام بكل واجب اختص الله به عباده لصلاح الفرد والمجتمع، فهو شهر تتكامل فيه الواجبات الأسرية لبناء أسرة قوية على ركائز الصلاح والإصلاح والبناء وحسن التربية الروحية والبدنية.
والأسرة نواة صلاح المجتمع، خاصة من جانب الأم التي هي أساس كل صلاح وقوام كل بناء، تعظم مسؤوليتها وتشتد في رمضان، خاصة مسؤولياتها عن تهيئة الظروف المناسبة لصيام أفراد الأسرة، سواء من الناحية المادية أو الروحية، وتقديم النصح والمشورة وتصويب الأخطاء وتزكية المشاعر، وهذه من الأمانة التي أوكلها الله تعالى للأبوين، والتي تستوجب شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسؤول عنه أمام ربه، على النحو الذي فصّله الحديث الكريم: «كُلُّكُمْ راعٍ، ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإِمامُ راعٍ ومَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أَهله راعٍ ومسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها راعِيَةٌ ومسؤولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا، والخادِمُ في مالِ سَيِّدِهِ راعٍ وهُوَ مسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ». متفق عليه. وتعظُم هذه المسؤولية في رمضان، إذ يجب على الوالدين توظيف فريضة الصيام لبناء أركان الأسرة على مقتضى البر والتقوى، والحماية من اتباع الهوى.
وتستطيع الأم من خلال فريضة الصيام تقوية نوازع الخير لدى أفراد أسرتها مذكرة إياهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «الصِّيامُ جُنَّةٌ فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، وإِنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُل: إِنّي صائِمٌ مَرَّتَيْنِ» (صحيح البخاري: 1894عن أبي هريرة-رضي الله عنه )، وقوله (جُنَّةٌ) أي: وقاية وسترة من الوقوع في المعاصي التي تكون سبباً في دخول النار، أو وقاية من دخول النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار قد حُفّت بها، وأيضاً لأن الأعمال الصالحة تكفر الذنوب.
وتستطيع الأم من خلال فريضة الصيام تنمية حب الصدقة لدى أفراد الأسرة مذكرة إياهم بأفضلية الصدقة في عمومها، وفي شهر رمضان المبارك خاصة، وأثرها في تمكين الفقراء والمساكين من القيام بواجب الطاعة في هذا الشهر الكريم.
ويعظم دور الأم تجاه الأسرة بتوجيه أفراد الأسرة إلى الاستفادة من شهر الصيام، وجعله قانوناً يحكم سلوكهم طيلة العام، فيكون شهر الصيام مدرسة تنمو من خلالها منظومة القيم الراشدة والأخلاق الفاضلة.