يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} [لقمان 8]، فقد دخل علينا رمضان، شهر تكثر فيه الأعمال الفاضلة ويكثر الخير فيه، الشهر الذي فضّله الله وخصّه وضاعف الأجور فيه، فمحروم من أدركه ولم يستغله ولم يُغفَر له فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رَغِمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثُم انْسَلَخَ قبلَ أن يُغفرَ له)). وبالرغم من ذلك فقد يقع التقصير في الأعمال الصالحة في رمضان، لازدحام الأعمال وكثرة الملهيات على المرء، لكن عليه ألا ييأس ولا يقنط من رحمة ربه، فـيجعل لنفسه هدفاً واحداً من الأعمال الصالحة، ويكون اختياره بحسب تقصيره فيها، فيحقق أركانها وواجباتها وسننها ما استطاع ويتعاهد نفسه بألا يتهاون فيها، فإن كان من المقصّرين في صلاته، فليجعل الصلاة هدفاً له بالمحافظة عليها وأدائها في أوقاتها والقيام بسننها والحرص على نوافلها من تراويح ووتر مع تحرٍ لليلة القدر.

وإن كان مسيئاً في صيامه، فليس مقصود الصيام مقتصراً على الإمساك عن الطعام والشراب والشهوات، ولكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدَع قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ والجهلَ فليسَ للَّهِ حاجَةٌ أن يَدَعَ طعامَهُ وشَرابَهُ)) [رواه البخاري] فليتخلق بالأخلاق الحميدة الطيبة، فإن الأخلاق يمكن اكتسابها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((‌إنّما ‌العِلمُ ‌بالتعلّم، والحِلمُ بالتحلّم)) [رواه ابن أبي الدنيا]، وليصبر على أذى الناس، فإن لم يكن الآن فمتى؟

وأما إن كان من الممسكين عن الصدقات، فليبدأ ولو بدرهم واحد في كل يوم أو بمبلغ يسير تزهد النفس فيه، وذلك ليعوّد نفسه ويحبّبها في التصدق والرحمة والعطف على الضعفاء، فإن الذي يتصدّق به من المال اليسير هو في عين الضعيف: عظيم! قال صلى الله عليه وسلم: ((ما ‌نقصت ‌صدقةٌ ‌مِن ‌مال... وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)) [رواه مسلم].

وإن كان من المقصِّرين في بر والديه وهو ممن أدركهما أو أحدهما، فليبادر الآن ولا ينتظر، ولا يترك غيرَه يسبقه إلى برّهما، فإنهما اللذان ربياه وعطفا عليه وقوّما أمره، وأصبح الآن ذا شدة وقوة، وهم الآن في ضعف وحاجة عند الكبر، وما أعظمهما من فرصة لرد شيء من جميلهما، فيقوم على حاجتهما وخدمتهما ويدخل السرور عليهما ويصبر على برهما ويدعو لهما أمامهما وفي غيبتهما، فإنه اليوم معهما وغداً قد يرحلان، ولا ينفع حينها ندم ولا حسرة على تفويت وتقصير، قال صلى الله عليه وسلم: ((رَغِمَ أنفُ من أدرك أبويه عند الكبر أحدُهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)) [رواه مسلم]، ومن انتقل منهما أو أحدهما إلى ربه، فليكثر من الاستغفار والدعاء لهما، والتصدّق عنهما، وقضاء دينهما، وصلة قرابتهما وصديقهما، وبالرغم من أداء هذي الأعمال فليعرف أنه لم يوفِّ حقَّهما ولو بشيء يسير. فهذي أمثلة قليلة والأعمال الصالحة كثيرة ومتنوعة وليبادر المرء بإدراك ما استطاع منها.