حتى أولئك المتحمسين لمشاهدة الرئيس السابق، دونالد ترامب، وهو يحاكم ويتحمل المسؤولية عن تهم الفساد العديدة المنسوبة إليه، يشعرون بعدم الارتياح حيال بدء مثوله أمام القضاء بعد غد في منطقة «مانهاتن» بنيويورك.
وبحسب تصريحات أدلى بها الأسبوع الماضي قال جيم جونز، المسؤول السابق في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لشبكة «سي إن إن»:
«تهمة كهذه، تهمة شراء صمت ممثلة أفلام إباحية، منذ سبع سنوات مضت على علاقة حميمة نشأت بينها وبين ترامب، منذ نحو عقدين، تربط على نحو أو آخر بالانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك، ولا أعتقد أن هذا هو الطريق السليم، الذي يتعين أن نمضي فيه حيال تعاملنا مع ترامب».
وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها: «ربما تكون التهم المرجح أن هيئة المخلفين في نيويورك قد صوتت لصالح محاكمة ترامب بسببها هي الأقل إقناعاً».
وفي وقت أكتب هذا المقال، لا يعلم أحد على وجه التحديد ما هي تلك التهم، ولا إلى أي درجة تستند المحاكمة إلى نظرية قانونية لم تخضع للاختبار، بحسب ما تنبأ العديدون.
ولكن من الخطأ أن نتعامل مع هذه الاتهامات، والتي تتضمن تهماً يتجاوز عددها 25 جريمة، بحسب ما ذكرته «نيويورك تايمز» في خبر نشرته الأسبوع الماضي، كونه دليلاً ملموساً على أخطاء ترامب الأخرى.
وعلى النقيض مما قاله جونز فإن محاكمة ترامب التي ستبدأ بعد غد تتعلق باتهامات مرتبطة بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية، التي أقيمت عام 2016، والتي فاز بها، وما إذا كان قد ارتكب الكذب والتدليس كي يفوز بها أم لا.
لقد نشأت العديد من المتاعب القانونية، التي واجهها ترامب منذ بداية دخوله المعترك السياسي، بسبب رغبته بالالتفاف حول القانون وخيانة الدولة من أجل أن يحتفظ بالسلطة. لم تُبت التحقيقات، التي أجراها روبر مولر، المدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن ترامب متورط في مؤامرة جنائية.
كما لم تثبت أيضاً أن حملته الانتخابية، التي خاضها قبل انتخابات عام 2016 قد رحبت بمساعدات روسية أو تلقتها بالفعل، ولا ننسى في هذا السياق أن أول محاكمة يخضع لها ترامب.
والتي جرت في عام 2019، بينما كان لا يزال في البيت الأبيض آنذاك، كانت بسبب اتهامات بمحاولة ابتزاز الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالمساعدات مقابل أن يوجه الأخير اتهامات غير حقيقية إلى جو بايدن، الرئيس الأمريكي الحالي، عندما كان لا يزال خصماً لترامب في الانتخابات الرئاسية الماضية، التي أقيمت عام 2020، والتي تمخضت عن فوز بايدن وخروج ترامب من البيت الأبيض.
لا يزال ترامب خاضعاً لتحقيقات جنائية في كل من ولاية «جورجيا»، وواشنطن العاصمة، حيث يتهم بمحاولة إفساد نتائج انتخابات 2020، ففي «جورجيا»، حرض ترامب أنصاره على العنف اعتراضاً على فوز الديمقراطيين فيها في انتخابات عام 2020، والتي أخرجته من البيت الأبيض.
بينما حرض أنصاره في واشنطن العاصمة على اقتحام مبنى «الكابيتول» في السادس من يناير 2021، للسبب نفسه، وفي كلتا الواقعتين حاول ترامب تصعيد سلوكه الجامح إلى حد التورط في محاولة انقلاب، اللافت أن ترامب في تجمعاته الانتخابية، التي أجراها بعد أن أعلن مؤخراً اعتزامه الفوز بتذكرة الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة المزمع إجراؤها في نوفمبر المقبل.
وصف أحداث اقتحام «الكابيتول» بأنها بطولية، وأشاد بأنصاره من مثيري الشغب، الذين اقتحموا المبنى واعتبرهم أبطالاً.
بالمقارنة مع هذه الجرائم كافة فإن تهمة دفع رشوة لشراء صمت بطلة الأفلام الإباحية، ستورمي دانييلز، والتي سيخضع ترامب للمحاكمة بسببها اعتباراً من الثلاثاء المقبل، تبدو أمراً تافها، إلا أنها في نهاية الأمر كانت جزءاً من حملة سلوكياته المناهضة للديمقراطية والرافضة للامتثال لأحكامها.
أعرب بكل صدق عن أملي بأن يتحمل ترامب تبعات محاولته لسرقة ديمقراطيتنا في 2020 و2021، ولكن محاكمته التي ستبدأ الثلاثاء المقبل تأتي لسبب آخر مختلف تماماً.
يقيناً، سيكون خطأ من جانب ألفين براغ، المحامي العام لمنطقة «مانهاتن» أن يبدأ هذه المحاكمة من دون أن يتأكد من سلامة الإجراءات القانونية، التي بنيت المحاكمة على أساسها، إلا أن الأمر ينطوي على بعض العدالة أيضاً، إذ يتعين قبل أن نحاكم ترامب على سعيه للبقاء في السلطة بصورة غير مشروعة، أن نحاكمه أولاً على سعيه للوصول إليها بصورة غير مشروعة.
* كاتبة مقالات لدى صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.