يتفهم الجميع أن الحدود البرية التي تفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك ستُفتَح مُجدداً في القريب العاجل.
وتشمل كلمة الجميع في هذا السياق الأشخاص القادمين من المكسيك ودول أمريكا الوسطى ويتكدسون بالآلاف في المناطق الواقعة على ضفاف نهر «ريو غراندي»، الذي يشكل بدوره جزءاً من الحدود الأمريكية المكسيكية، آملين في دخول الأراضي الأمريكية خلسة لبدء تحقيق حُلمهم الأمريكي، أو الذين نجحوا بالفعل في الوصول إلى بعض مُدُن ولاية «تكساس» في جنوب الولايات المتحد.
، وأبرزها مدينة «إل باسو»، وينتظرون أيضاً النفاذ من «تكساس» إلى باقي الأراضي الأمريكية.
ويأتي هذا التفهم برغم أن «المحكمة العُليا» الأمريكية قد أصدرت حُكمها مؤخراً بالإبقاء على الإجراء المُثير للجدل، والمعروف باسم «تايتل 42»، والذي ابتدعه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، والذي يخول الإدارة الأمريكية حق طرد المهاجرين الذين تسللوا بالفعل إلى الأراضي الأمريكية قبل الحصول بصفة رسمية على طلب اللجوء السياسي للولايات المتحدة أو حتى قبل أن يتقدموا به من الأصل.
فحتى بعد صدور حُكم المحكمة بالإبقاء على «تايتل 42»، فإن إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، قد ألمحت في غير ذات مرة إلى أن هذا الإجراء بسبيله إلى الزوال، ما يشير إلى اعتزامها العمل بشكلٍ ما أو بآخر على إنهائه.
والحق أن «تايتل 42» وما يدور بشأنه حالياً من صراع بين المؤيدين والمعارضين له يكشف تماماً عيوب السياسة المُتّبعة في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتعامل مع المهاجرين.
اشتق الإجراء «تايتل 42» اسمه من رقم 42، وهو رقم القانون الأمريكي المعني بالحد من انتشار الأمراض المُعدية. وقد بدأ العمل بالإجراء «تايتل 42» لأول مرة في العام الأخير من ولاية ترامب، وتحديداً في مارس، 2020، بموجب توجيه صادر من «مراكز السيطرة على الأمراض المُعدية والوقاية منها»، وهي مؤسسة فيدرالية أمريكية تابعة للحكومة وتخضع لإشراف وزارة الصحة.
وكان الغرض من تطبيق «تايتل 42» آنذاك هو إبعاد الراغبين بالهجرة إلى أمريكا من على الحدود الأمريكية، بحجة حماية البلاد من جائحة «كوفيد 19»، والتي كانت في ذروة تفشيها العالمي آنذاك. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُستغَل فيها الصحة العامة كمبرر لتشديد قبضة الحكومة الأمريكية في بعض القضايا، خاصة قضية الهجرة.
من المعروف أن هذه القضية تخضع في نهاية الأمر، نظرياً على الأقل، لسلطة الكونغرس. وعليه، فإن العيوب المكشوفة للجميع، فيما يخص التعامل الأمريكي مع المهاجرين.
وما يترتب عليها من مشاكل قانونية، سياسية، وقبل كل ذلك إنسانية يراها كل العالم عبر وسائل الإعلام بصفة يومية على الحدود الجنوبية للبلاد، تُعزى بالأساس إلى إخفاق المشرعين الأمريكيين بصفة متكررة في تمرير بنية تحتية تشريعية سليمة لسياسة هجرة أمريكية واضحة على مدى عدة دورات متتالية لانعقاد الكونغرس.
ويقودنا هذا إلى حقيقة قد لا يدركها البعض، ألا وهي أن سيطرة الكونغرس على قضية الهجرة هي مجرد سيطرة نظرية فقط لا أكثر، وإنما من يقود الزمام عملياً في هذه القضية هو البيت الأبيض.
وفي سياق حماسه لمعارضة كل شيء فعله ترامب إبّان ولايته، فقد صوّر بايدن قضية الهجرة باعتبارها أزمة متكاملة الأركان، وهي بالفعل كذلك، إلا أن التوظيف السياسي لها من جانب بايدن وإدارته لا يكاد يخفى على أحد.
تتمثل مشكلة بايدن في قضية الهجرة، وتحديداً في سعيه لإلغاء «تايتل 42»، ليست في كونه لا يستطيع فرض أجندته في هذه القضية، وإنما في كونه لا يمتلك لها أجندة من الأساس. لا توجد فكرة واضحة لدى إدارة بايدن بشأن التعامل مع قضية الهجرة، ولا بشأن كيفية استيعاب المهاجرين المتكدسين في «إل باسو»، إذا ألغت «المحكمة العُليا» يوماً ما «تايتل 42».
يتعين على إدارة بايدن صياغة سياسة واضحة في هذا الشأن، ويحتاج أيضاً إلى إبرام صفقة مع معارضيه الجمهوريين بشأن إقرار هذه السياسة.
وسواءً كُللت مساعي بايدن في إبرام الصفقة أو أخفقت، فهو في الحالتين رابح سياسياً. فإن نجحت، فسيظهر هو بمظهر الرئيس الذي نجح أخيراً في ستر عيوب سياسة الهجرة الأمريكية، والتي تفاقمت كثيراً في عهد سلفه، وإما إن أخفقت، فسيكون قد نجح في إظهار الجمهوريين باعتبارهم العقبة الكؤود في طريق ستر هذه السوءات. لقد باتت الحدود الآن حدود بايدن، والكرة في ملعبه، وما يحتاجه فقط هو أن يسددها.
* كاتب في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية