من الملهم أن تخوض تجربة التعليم ولو لمرة واحدة في حياتك، تقدم من خلالها العلم والمعرفة للمجتمع، فيعبق بذلك شعور البهجة ونشوة النصر بقلبك كبذرة تسقيها كل يوم باعتناء واهتمام، لتثمر أفضل الثمار.

ذات سنة طرحت علي إحدى الأمهات سؤالاً عندما علمت أنني سأكون المسؤولة عن تعليم ابنتها الصغيرة، وقالت: أستاذة، هل لديك أطفال؟ لم أفطن لسبب سؤالها فصمت قبل أن أهم بالجواب، وظنت أنها سببت لي إحراجاً بسؤالها، وتداركت الموقف واعتذرت. لم ينتهِ الحديث وطلبت منها أن تفهمني سبب سؤالها، لأنه في ذاته سؤال عادي وإجابته ببساطة لا، ولكن سبب طرحه كان هو الغريب علي.

أوضحت الأم أن سبب سؤالها أنه وفي اعتقادها الشخصي من غير الممكن أن تقدم معلمة ليس لديها أطفال مشاعر الأمومة لطالباتها، وهذا يؤثر بدوره في علاقة الطالبات بالمعلمة وينعكس على تطورهن الدراسي.

علاقة المعلمة بطالباتها يجب أن تكون امتداداً للحياة اليومية للطالبة، بمشاعرها واهتماماتها وطريقة تفكيرها، ولا يمكن لمعلمة أن تعطي كل هذا ما لم تكن قد اكتسبت ذلك من تجارب الحياة، التي خاضتها.

كثر من المعلمات اللاتي لم ينجبن لديهن معرفة واسعة بما يؤثر إيجاباً على الطالبة، ويرفع من مستواها التعليمي والأخلاقي، وهذه المعرفة قد تكون من قراءة واطلاع وحضور دورات التربية، وربما تجربة المساهمة كمعلمة أو بتربية الأخوات الصغيرات، وربما بنات الإخوة، وقد تأتي من فطرة المعلمة الحانية الحنونة في أصلها مع طالباتها.

وهنا السؤال ما المعيار الحقيقي لتحديد المعلمة الأنسب لطفلتك؟

المعيار الحقيقي هو المحصلة المعرفية والتربوية لدى المعلمة، ورغبتها الجامحة في تطوير نفسها، لأن التي لا تقوم بتطوير نفسها من المحال أن تسعى لتطوير غيرها بشكل فعال وحقيقي.

لو كنت أماً لاخترت لطفلتي المعلمة، التي لديها ارتباط وثيق وقوي بين الحب والخوف والمسؤولية لأنها قادرة على تقديم يد العون لطفلتي عندئذ.

الثقافة التربوية مطلب مهم، وقد رأيت معلمات لديهن ثقافة تربوية جمة، واحتواء عميق للطفلة، بالإضافة لسعيهن للتطوير المستمر. هذا الصنف من المعلمات يدق قلبهن فرحاً وسروراً كدقات قلب الأم عندما تنجز طالباتهن أي إنجاز، ويرتعد ذلك القلب خوفاً، عندما تمرض إحدى الطالبات، وما أبهجه من قلب عندما تسمع ضحكاتهن وشهقات فرحهن إذا ما سرهن أمراً، وكم من دموع انهمرت من أعين المعلمات عند فراق طالبة.

ذات مرة تأملت مشهداً جميلاً لإحدى المعلمات والفخر في محياها مع إحدى طالباتها وهي تسمعها تتلو الآيات من كتاب الله بتمكن، وأخرى تشعر بأنه قد حيزت لها الدنيا بما فيها عندما رأت طالباتها يتخرجن ويستلمن نتائجهن.

لا تنال هذا الشعور، وهذا الشرف العظيم إلا معلمة رافقت طالبتها بقلب حنون ومحب من أول خطوة خطتها حتى بدأت تتأقلم معها، وعلى يدها تعلمت كيف تمسك القلم حتى أصبحت تلك الطفلة تقتدي في تصرفاتها بتلك المعلمة، فأثمر ذلك أن زرعت المعلمة في داخل الطفلة القيم، وصقلت شخصيتها وأسست لمستقبل زاهر، تعيشه هذه الطفلة، التي ستكبر يوماً، وتصبح أماً تدمع عيناها سروراً وشوقاً لتلك المعلمة.

وللملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، مقولة أحب أن أختم بها: «لو لم أكن ملكاً لكنت معلماً»، هنا ترتقي مكانة المعلم والمعلمة، فتكون موازية في قلب الفيصل للملك والسيادة، فما أعظمها من مكانة!