تواجه الحكومة الإيطالية مشكلات كثيرة جعلت مهمتها صعبة في إدارة أمور البلاد. واستفحلت أزمتها بعد مأساة سفينة إنقاذ المهاجرين «أكواريوس»، التي رفضت الحكومة السماح لها بالرسو في الموانئ الإيطالية. وقد أثار هذا التصرف دهشة الجميع، إذ يبدو أن هناك أعضاء في الحكومة الشعبوية الجديدة غير مبالين بمصير 630 شخصاً عالقين في البحر، ويعتقدون أنه من الصواب تلقين أوروبا درساً حول قضية المهاجرين.
ويعتقد بعضهم أنه من المنافي للعقل أن يستخدم مئات المهاجرين للمساومة. وقال مسؤولون في الحكومة الإيطالية صراحة «المشكلة هي أننا فقدنا جميعاً بوصلة الاتجاه».
وفي عالم اليوم، فإن مفهوم منع الرسو في البحر المتوسط، حيث يمنع المهاجرون من الوصول إلى أوروبا، يضاهي مفهوم الدعاية الإجرامية. ويبرر ماتيو سالفيني، وزير الداخلية الإيطالي الجديد وزعيم حزب الرابطة، هذا التصرف بأن هدفه منع المزيد من المآسي التي تحدث في البحر، وإنقاذ المهاجرين من براثن المتاجرين بالبشر في ليبيا والمنظمات الإجرامية في إيطاليا، وهو تبرير خاطئ وغير إنساني.
وقد استخدم فيسبوك لإثارة هذه القضية المثيرة للجدل مرة أخرى. وكتب سالفيني قائلاً: «بينما تبحر سفينة مهاجرين نحو إسبانيا، وصلت سفينتان هولنديتان آخريان تديرهما منظمة غير حكومية من الساحل الليبي لإفراغ شحنتهما البشرية بعد أن تخلى المهربون عن المهاجرين. يجب أن يعرف هؤلاء أن إيطاليا لم تعد ترغب في أن تكون جزءاً من هذا العمل المتعلق بالهجرة السرية، وسيتعين عليهم البحث عن موانئ أخرى للذهاب إليها».
لكن الدعاية شيء، والحقائق شيء آخر. فقد حاول جميع أسلاف سالفيني في الحكومات السابقة تطبيق سياسة منع استقبال اللاجئين، أو احتجازهم في ليبيا، مستعينين باستراتيجيات متطابقة، وقد باءت محاولاتهم بالفشل. والفرق الوحيد هو أن سالفيني وحلفاءه في الحكومة الذين يدعمون سياسته أكثر صرامة في تطبيق هذه السياسة. وعلى مر السنين، دفعت إيطاليا وأوروبا الأموال إلى البلدان غير المستقرة والمهرّبين والمجرمين الممولين لمنع إرسال المهاجرين إليها دون أن تحل هذه المشكلة. فطالما هناك مهاجرون يرغبون بالانتقال من إفريقيا إلى أوروبا، سيتواجد دائماً مهربون جاهزون لإحضارهم من أجل المال.
وما لم يتم الاتفاق مع الدول المعنية لمنع تدفق المهاجرين، من السهل التنبؤ بما سيحدث خلال الأشهر والسنوات المقبلة. وقد ظل المهاجرون على متن السفينة الخيرية «أكواريوس» في البحر لمدة يومين قبل التوجه إلى إسبانيا. لكن أولئك الذين كانوا على متن سفينة خفر السواحل الإيطالية ديتشي تم إنزالهم على شواطئ كاتانيا في صقلية. هل لدينا مهاجرون من الدرجة الأولى ومهاجرون من الدرجة الثانية الآن؟ على متن السفينة «أكواريوس» كان هناك مهاجرون من عمليات الإنقاذ التي قام بها خفر السواحل الإيطالي. في المرة المقبلة، لن يرغب أي مهاجر بمغادرة سفن الإنقاذ الرسمية التي يتعين على قوارب تابعة للمنظمات غير الحكومية التقاطهم، وقد لا يجدون أي موانئ أوروبية تستقبلهم من أجل الخير.
وفي هذه الأثناء تثير إيطاليا بصمت حرباً بين الإيطاليين والمهاجرين الذين يقيمون ويعملون في البلاد، سواء أكانت إقامتهم قانونية أم لا، وغالباً ما يتقاضون أجراً زهيداً، ويعيشون أحياناً في ظروف من الاستعباد. وإذ نركز اهتمامنا على المهاجرين الذين لم يأتوا بعد، فإننا نتغاضى عن حقوق الآخرين الموجودين هنا بالفعل، وهي الحقوق التي تخص كل إنسان، بغض النظر عما إذا كان بحوزته تصريح إقامة أم لا.
لقد طالت موجة الكراهية الأفارقة الذين لم تطأ أقدامهم إيطاليا حتى الآن بعد أن تجاوزت المهاجرين الذين يعيشون بيننا بالفعل. الإيطاليون يتراجعون اجتماعياً، وسط تصاعد في النزعة القومية لديهم التي تظهر عداءً عنصرياً ضد حقوق أي إنسان غريب ولا نعرف إلى أين سيقودهم ذلك.
*كاتب إيطالي في الغارديان