الجميع ذهب يتساءل عن فرص السلام بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم «داعش» في العراق من جانب التحالف، فهل يمكن الآن أن تندفع عجلة السلام بعد هزيمته؟ هذا الأمر لن يكون سهلاً. فالمعركة الطاحنة في الموصل دامت تسعة أشهر من سفك الدماء.
وقد خسر «داعش» قبضته على ثاني أكبر مدينة في العراق، ورمز السلطة بالنسبة للمتشددين، حيث قام زعيم الجماعة الإرهابية أبو بكر البغدادي منذ حوالي ثلاث سنوات تقريبا بتنصيب نفسه «خليفة» المسلمين، من على مسجد النوري الذي فجره تنظيم داعش خلال الأيام الأخيرة للمعركة. وحيث في الموصل أيضا، بدأ «داعش» يظهر هالة عن عدم التقهقر، عندما تمكن بضع مئات من مقاتليه من هزيمة الجيش العراقي وإخراجه من المدينة في عام 2014.
ويمكن أن تشكل هزيمة «داعش» في العراق سبباً للاحتفال، إذا كان يعني ذلك ظروف معيشية أفضل للسكان، ووضع برنامج إعادة إعمار للمدن المتضررة بشدة، ومستقبل آمن. لكن تحقيق تلك الأمور يتطلب أكثر بكثير من مجرد الانتصار على التنظيم. وسيستمر التنظيم الإرهابي في شن هجمات انتحارية ضد أسواق المدينة في أعقاب هزيمتها، ويبقى أن نرى من سيملأ الفراغ في السلطة من بعده.
وكان الشيء الوحيد الذي وحد الفصائل المختلفة للتحالف المناهض لـ «داعش» معارضة تلك الفصائل المشتركة للتنظيم. والآن، بعد دحر مسلحي التنظيم خارج المدينة، فإن التنافسات القديمة يمكن أن تسرع في العودة إلى الواجهة السياسية. وقد تجمعت مجموعات مسلحة متباينة في عدة مدن عراقية ومنها: الجيش العراقي، والشرطة ووحدات مكافحة الإرهاب، التي عناصرها إلى حد كبير من الشيعة (كما هو حال الحكومة المركزية في بغداد)، وما يسمى «قوات الحشد الشعبي» (القوات التي يهيمن عليها أيضا الشيعة، وبعضهم لديه روابط مع إيران)، عدا ميليشيات سنية، ومقاتلين من البشمركه من جماعات كردية متنافسة.
وكل جماعة لديها أجندتها الخاصة. على سبيل المثال، سوف يسعى الأكراد إلى الاستقلال من جديد. وقد تقاوم بعض الميليشيات التي يهيمن عليها الشيعة عملية نزع سلاحها. وسوف يكون هناك مزيد من سفك الدماء بين نهري دجلة والفرات تتغذى على الصراعات التي لم تحل بعد بين هذه الجماعات، وستزداد حدة نظراً للتوتر الطائفي بين الشيعة والسنة. كل ذلك سيجري في إطار إقليمي أوسع نطاقاً حيث للدول الإقليمية تأثير على هذا الجانب أو ذاك، وحيث تتدخل الولايات المتحدة وروسيا كقوى عظمى في الخلفية. والجدير بالاعتبار أن «داعش» نفسه هو النتيجة طويلة الأمد لغزو الولايات المتحدة الاستباقي للعراق عام 2003، وهي حرب شكلت انتهاكاً للقانون الدولي.
وقد دفع الجيش العراقي والميليشيات ثمناً باهظاً لاستعادة المدن العراقية من داعش، وسوف يرغبون بتعويضات على شكل نفوذ سياسي، أو على الأقل، سيرغبون في الاستفادة من إعادة الإعمار. لكن الشعب والناس البسطاء العاديين هم الأكثر تضرراً: فالألوف قتلوا فيما فر حوالي 900 ألف شخص فقط من مدينة الموصل، حسب تقديرات وكالة اللاجئين للأمم المتحدة. ويعيش سكان الموصل من السنة في خوف من قوات «داعش» وقوات «التحالف»، الذين اتهمتهم جماعات حقوق الإنسان بارتكاب جرائم حرب.
وكان القسم الشرقي من الموصل خالياً من «داعش» على مدى ستة أشهر، ومع ذلك، تعم حالة من الغضب وعدم الرضا على نطاق واسع. فلا تزال السلطة مفقودة، أما المياه العذبة فيجب أن تشحن إلى ذاك القسم من المدينة من جانب الأمم المتحدة. وقد عادت المدارس وفتحت أبوابها وسط ضجة كبيرة، لكن المدرسين بدون رواتب. وتجد مدناً أخرى تم تحريرها مثل الرمادي والفلوجة وتكريت نفسها في أوضاع محفوفة بالخطر مماثلة.
ولا يعد بإمكان العالم أن يتحمل تنظيم حرب مرة أخرى من دون ترتيبات من أجل السلام. وهناك حاجة إلى مبالغ طائلة من الأموال من المانحين الدوليين لإعادة بناء الموصل. وما جمع مؤخراً لا يكفي، وينبغي أن توضع تلك الأموال في استخدامات مفيدة، ويمكن أن تقطع شوطاً طويلاً في إبطال تلك المشاعر بين الطوائف الدينية في العراق بالتمييز ضدهم. فهذا ما مكّن «داعش» من الصعود إلى السلطة في المقام الأول. دعونا لا نرى صراعاً على السلطة آخر من أجل المدن في العراق وقد خرج عن نطاق السيطرة.