شغلت باحثين من جامعة لندن قضية تذبذب «مدة انتباه» الإنسان لما يجري حوله أو ما يسمى بال attention span فعكفوا على دراسة قبيلة نائية في إفريقيا، حافظ أهلها على البقاء في الريف، وقبيلة أخرى انتقل أفرادها للعيش في مناطق حضرية، أظهرت النتائج ما «فاق توقعات» الباحثين.
حيث تبين أن الجماعات الحضرية (القبيلة المتمدنة) أظهرت صعوبة في الانتباه في اختبارات متنوعة أعدت لهم، مقارنة بأفراد القبيلة التي حافظت على بقائها في الريف. وكان أحد الأسباب يعود إلى أن «الناس في المجتمعات الحضرية يتمتعون بمحفزات تنبيه أكثر، حيث يتحلون بإفراط من حيث استخدام البصر والأصوات»، وهو أحد الأسباب التي تشتت تركيزهم، بحسب تقرير نشرته «بي بي سي».
هذه الدراسة في غاية الأهمية وينبغي أن يعاد تطبيقها في بلدان عدة، لاسيما بعد أن انهالت علينا وسائل التواصل والمواقع الإلكترونية بتطبيقاتها بأطنان من المعلومات يومياً، فلا نكاد ننتهي من خبر أو فيديو أو مقال حتى يباغتنا آخر وهلم جراً. حتى الإعلانات بدأت تتقلص مدتها إلى نحو خمس ثوان، كما نرى في معظم فيديوهات الإنترنت التي نفتحها وإذ بإعلان «إجباري» يقف لك بالمرصاد، ولسان حاله يقول:
شاهدني وإلا لن تشاهد الفيديو! وقد كشفت دراسة لمايكروسوفت أن متوسط انتباه الفرد قد انخفض من 12 ثانية إبان بدايات ثورة الهواتف المتنقلة عام 2000، إلى ثماني ثوان فقط. وأذكر أنه حتى الإعلانات التلفزيونية انخفضت من نحو دقيقة في الثمانينات إلى ثوان معدودة. كل ذلك في مسعى لمواكبة معاناة تراجع مدى انتباهنا.
وهذا ما يدفع إذاعة عريقة مثل «بي بي سي» إلى تنويع فقراتها خلال العشرين دقيقة ببث موجز نشرة الأخبار وعناوينها، فتفاصيلها، ثم لقاء قصير، يتبعه فاصل، وغيرها، للحفاظ على أكبر مدة ممكنة من تركيز المستمعين، حسبما أخبرني مراسلها الأسبق د. محمد العجمي. وصراع الحفاظ على انتباه المتلقي هو ما يدفع أحياناً المحاضرين المحترفين إلى تأجيل فقرة الأسئلة إلى النهاية، بإفساح المجال لأي سؤال أثناء المحاضرة أملاً في بث روح التفاعل.
ولاشك عندي في أن تراجع مدة انتباهنا في العصر الراهن يعود لأسباب عدة منها ارتفاع مستويات التعليم والاطلاع، وتوافر المعلومات، وتناقص عنصر الدهشة بسبب تعرض أعيننا لآلاف اللقطات والنصوص سنوياً من كل بقاع الأرض. فصار، مثلاً، الفقير في قرية نائية يرى تفاصيل يوميات الأثرياء بالصوت والصورة والبث الهاتفي المباشر ويحلق معهم في طائراتهم إلى شتى أرجاء المعمورة.
ما يهمنا من مسألة تراجع مدة انتباهنا، أن خير الكلام «والصور» ما قل ودل، وأنه في مقدور كل منا اختصار أي موضوع شائك في بضعة دقائق أو ثوان، سواء عبر تساؤل ذكي، أو عرض مميز للقطة فيديو، أو إيماءات تلقائية تدفع المستمعين إلى مزيد من الانتباه لما نقول في خضم «وسائل التشتت الاجتماعي».