الحادثة التي تعرض لها المواطن الإماراتي في الولايات المتحدة مؤخراً تفتح ملفات عديدة تمت مناقشتها والإشارة إليها مراراً، ولكنها في حاجة إلى حلول جذرية من كلا الجانبين: من جانبنا ومن جانب تلك الدول التي يقصدها السائح الخليجي عموماً للسياحة أو الاستثمار أو العلاج أو التبضع وينفق فيها الملايين سنوياً.

الحادثة التي نظرت لها الولايات المتحدة من منظور أمني وفسرتها لاحقاً على أنها سوء تفاهم نتج عن بلاغ مفبرك ضد المواطن، نظرنا لها نحن على أنها سوء تقدير من قبل الجهات الأمنية التي تعاملت مع الحادث بشكل يتنافى حتى مع السلوك الإنساني واحترام الآخر.

وعلى الرغم من أن الجهات الرسمية في الدولة لم تدع الأمر يمر دون معالجة وتفسير إلا أن الأمر بالنسبة لنا كمواطنين سوف ينتهي سريعاً، وننسى دروسه تماما كما نسينا دروس مطرقة لندن والشقيقات وقصص أخرى يتعرض لها مواطنينا في الخارج. ففي غمرة انشغالاتنا في تدبير أمور حياتنا والاستعداد لقضاء إجازة صيفية في بلد غربي آخر سوف ننسى سريعاً الدروس التي علينا استيعابها من هذه الحوادث.

هذه الحادثة تحمل أبعاداً أخرى يجب أن ننتبه لها، وأن نكون مستعدين للتعاطي معها. لقد تابعت كغيري ذلك الفيديو الطويل الذي تم وضعه على الإنترنت من قبل أحد المشاركين في المداهمة الأمنية، وتألمت لعدد من الأسباب يأتي على رأسها تلك المعاملة القاسية التي تمت بها معاملة ذلك المواطن البريء وقارنتها مع معاملتنا لغيرنا هنا في الإمارات وخاصة عندما يتعلق الأمر بالغربيين، والذين يحصلون على معاملة خاصة في جميع الظروف والأحوال. وفي واقع الأمر فإن معاملة المسلم في مطارات ودول الغرب طرأ عليها الكثير من التغيير منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

فقد ظهر كثير من الجهل الغربي والذي تجلى في مواقف بعضها معقداً، ويعكس حجم الجهل بنا وبثقافتنا، وبعضها بسيط يعكس عدم معرفة الآخر بأبسط تفاصيل حياتنا وقدرته على تفسير عناصر ثقافتنا وحتى كرم ضيافتنا. وعلى الرغم من أن الكثير من الدول العربية والإسلامية قد قامت بحملات لتوعية الآخر بالثقافة العربية والإسلامية وبأهمية الحوار بين الأديان والثقافات إلا أننا في كل مرة نكتشف أننا ما زلنا في بداية الطريق. فالطريق لا يزال طويلاً أمامنا لنعرف الآخر حق المعرفة وليعرفنا الآخر ويتعرف على أوجه ثقافتنا وملبسنا وحجابنا وطريقة تعاطينا مع الأمور.

وفي واقع الأمر فإن صورتنا لدى الآخر ذات شقين: الشق الأول متعلق به وبالطريقة التي يكون بها نظرته عن العالم من حوله، والشق الثاني يرتكز علينا نحن. أما نظرة الآخر لنا فقد ساهمت عوامل عدة تاريخية وسياسية ودينية وحضارية في تشكيل نظرة مجحفة لنا أي تجاه الخليجي بشكل خاص والمسلم بشكل عام.

وقد ساهمت أحداث 11 سبتمبر في تضخيم تلك الصورة النمطية لنا، ولكن نظرة الغرب كانت حتى من قبل تلك الأحداث غير سليمة وغير صحيحة. من جانب آخر فنحن نلام في بعض الأوقات على ترسيخ صورة معينة لنا في ذهنية الآخر. فقد تعودنا على أسلوب ونمط حياتي أصبحنا لا نستطيع التخلص منهم بسهولة، فنحن ما زلنا نتذكر ما يفعله بعض السياح الخليجيين في الدول الغربية ومظاهر الأبهة والفخامة التي يحرص الخليجي على أن يحيط نفسه بها أينما كان ومظاهر اللامبالاة بالسلامة الشخصية والنابعة بالطبع من أسلوب حياته في بلده وليس في البلد الذي يقصده. فيتعامل الخليجي مع ضرورات ومتطلبات الأمن الشخصي، وكأنه في بلده ووسط أهله وليس في مجتمع غير آمن قد يتعرض فيه للحوادث غير المتوقعة كالسرقة أو السطو أو حتى القتل.

وخيراً فعلت وزارة الخارجية خيرا عندما نبهت المواطنين إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر عند السفر وعدم حمل كميات كبيرة من المال معه والاستعاضة عنه بالبطاقات البنكية.

كما تم تحذير المواطنين من المغالاة في المظهر الخارجي في دول لا تهتم كثيراً بتلك المظاهر ولكنها قد تكون سبباً لحادثة تعرض فيه حياة المواطن للخطر.

إذاً فالإرشادات التي يتلقاها المواطن عديدة بعضها في الإمكان تطبيقه بسهولة، وبعضها صعب التطبيق لأنه أصبح أسلوب حياة سواء في داخل الإمارات أو حين نكون في الخارج.