يصادف التاسع عشر من شهر رمضان ذكرى وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان، باني الأمة وراعي نهضتها الحديثة. والحديث عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد لا ينضب.

فكلما فتحت صفحة من حياة زايد امتلأت ذاكرتنا خيراً وفاض منا الأمل بمستقبل أكثر إشراقاً. فلقد استطاع زايد بفكره الوقاد تغير ليس فقط حياتنا وواقعنا ولكن حياة وواقع الكثيرين ممن وصلت إليهم أيديه البيضاء، وطالته شذرات من فكره وفلسفته حتى أصبح اسمه مرادفاً للتطور والنماء.

كان زايد رائداً للكثير من القيم العالية التي تزهو بها الإمارات اليوم. فلم يكن قائداً عادياً بل هو من استشرف المستقبل بعينيه وتوقع كل ما يمكن أن ينذر به من متغيرات ومنعطفات.

فقد كان زايد من أوائل القادة العرب الذين قاموا بنشر قيم التسامح وتقبل الآخر وإعلاء قيم التعايش السلمي وترسيخه بين جميع أطياف المجتمع. وبدأ ذلك في حرصه الكبير على معاملة الجميع مواطنين ووافدين بعدالة تامة، من خلال تطبيق القوانين التي ضمنت العدالة الاجتماعية الجميع. هذا الأمر عزز من قيم التسامح والتعايش لأنه جعل من العدل ميزان وميثاق وبالتالي جعل من الإمارات دولة مستقرة اجتماعياً ومتطورة حضرياً وحضارياً.

هذه الأمور غير المسبوقة في دول أخرى هي التي هيأت لدولة الإمارات اليوم هذه المكانة الكبيرة التي تحتلها وذلك الوضع العالمي الذي تحتله.

ومنذ بدايات الاتحاد كانت كل الإمارات مدركة أنها مقبلة على عصر جديد من تاريخها. فجميع الإمارات كانت تشهد حراكاً حضرياً وحضارياً وتزايداً في الوعي الثقافي الأمر الذي يجعلها متيقنة بأنها سوف تدخل عهداً جديداً. ولكن أبوظبي تحت حكم زايد كانت تزهو بشيء مختلف.

لقد أهلها زايد لتكون عاصمة اتحاد الإمارات التي تحتضن العرب وقضاياهم على اختلاف مشاربهم والحضن الحنون الذي تلجأ له القضايا العربية الشائكة بحثاً عن حلول أو صوت متزن وعقل مفتوح يدبر أمرها.

فمن قضايا الأمة الكبرى، كقضية فلسطين إلى الخلافات العربية –العربية مروراً بقيام مجلس التعاون وغزو الكويت، حاول زايد بكل ما أوتي من قوة لم الشمل ورأب الصدع العربي مغلباً كل المصالح الضيقة على حساب المصالح العربية المصيرية. وقد نجحت جهود زايد في لم الشمل العربي ولجأت له كل العقول العربية النيرة التي كانت ترى فيه نبراساً وعقلاً متفتحاً وذهنية منفتحة على كافة الأطراف التي أسمته حكيمها.

نجح زايد فيما عجز عنه الكثير من القادة والساسة في العالم. نجح في لم الشمل مستخدماً أسلوب اليد البيضاء. فامتدت يداه إلى كل بقاع الأرض وكان عطاؤه كالماء الذي روي الأرض العطشانة وسرعان ما أخضرت تلك الأرض وأخرجت خيراً وولاءً. فخلد زايد اسمه بين أكثر القادة عطاءً وخيراً. كذلك استخدم زايد أسلوباً آخر قائماً على عدم التدخل في شؤون الآخرين. هذا الأمر منحه الثقة وجعل اسمه يتردد على كل لسان. فهو يعطي ولا يريد أجراً، ويمنح ولا يريد ذكراً، ويوحد ولا يريد شكراً وثناءً. لقد كانت تلك قناعات زايد وليست سياساته.

تمنى زايد الخير للجميع. وقد اتضح ذلك في سياساته الداخلية والخارجية وفي علاقاته الإقليمية والعربية والدولية. حكمته التي سبغت عليه لقب حكيم العرب لم تأتِ من فراغ بل من عمل دائم وسعي دؤوب للم الشمل ورأب الصدع والوقوف مع الضعيف ضد الظالم وعمل الخير ونشره في أرجاء المعمورة.

لقد استحق زايد في رأي الجميع أصدقاء أو غرباء هذا اللقب بجدارة ليس لأنه أعطى وتمنى فقط بل لأنه حاول، وبرؤيته الثاقبة، منع ما يمكن أن يحدث من مآسٍ إنسانية تؤثر على العالم وتشقيه. هذا ما تمثله الإمارات اليوم.

لقد كان زايد رجلاً في أمة وأمة في رجل.

جسد زايد كل معاني الخير في الشخصية البدوية وكل معاني الإيثار والكرم ومثل كل القيم التي قامت عليها دولة الإمارات. فلا غرو أن يظل زايد رمزاً خالداً من رموزنا وأن تظل ألسنتنا تهتف باسم زايد ما حيينا.

إن النهج الذي تسير عليه القيادة السياسية في الإمارات اليوم مشتق من نهج زايد ومتسق مع رؤيته المستقبلية القائمة على الخير والنماء. لقد أراد زايد لدولة الإمارات أن تكون مناراً وملاذاً. وهكذا هي اليوم.