بعد شهر ستواجه التجربة الاتحادية الأوروبية تحدياً بالغ القوة، ذلك حين يستفتي البريطانيون حول البقاء فيها من عدمه. الجدل متعدد الأبعاد على ضفاف هذه الخطوة أوروبياً وبريطانياً، يؤكد أن التحاق لندن بالركب الاتحادي الأوروبي ظل محفوفاً بالمناوشات والمناظرات بين المؤيدين والمعارضين والمترددين في كل الأحوال.

لقد أطل هذا الجدل منذ كان التوجه الاتحادي الأوروبي فكرة جنينية غداة وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واستمر بوتائر مختلفة إلى يومنا هذا.

بناء على هذه القناعة، يحق لبقية أعضاء التجربة؛ ولاسيما المؤسسين منهم، البوح بسخطهم واستيائهم من سياسة لندن وتعاطيها معهم. فهي ما انفكت تشاكسهم وتثير الشكوك في نجاعة توجههم الاتحادي وتضع العصي في دواليبهم قبل التحاقها بهم وبعده. ومع ذلك فقد اصطبروا عليها وأظهروا ألواناً من المرونة معها، وصولاً إلى الانصياع لبعض ما يمكن اعتباره إملاءات منها.

القصد، أن الاتحاديين الأوروبيين التزموا مع الشريك البريطاني المخالف بكظم الغيظ. فالأصل أنهم احترموا إرادة لندن وقت أن تمنعت عليهم وأبت الالتحاق بقطارهم يوم تحرك عام 1957.

والأصل أيضاً أنهم جددوا احترام هذه الإرادة حين استمرأت لندن شراكتهم عام 1973، بعدما أيقنت من وجود مصلحة لها في ذلك، فما الذي استجد بعد أربعين عاماً، ليحمل البريطانيين على الاستفتاء العتيد؟

لم يسبق لدولة من شركاء هذه التجربة أن فاوضت بقية الشركاء لأجل تحصيل مكتسبات أو درء خسائر، بالمعنى القومي الضيق، على خلفية حزم الأمتعة والتهديد بالانفصال والمغادرة النهائية. وحدها بريطانيا التي أقدمت أو تجرأت على هكذا فعلة.

يحدث هذا على الرغم من كونها القطب الأوروبي الوحيد الذي حفيت أقدامه ذات حين، كي يرضى عنه المؤسسون، وفي مقدمتهم فرنسا الديجولية، ويقبلون شراكته المتأخرة نسبياً.

في إطار هذه السيرة، يبدو الاستفتاء البريطاني الوشيك إجراء غير منطقي، وقد نقول إنه غير مبرر.

تتجلى صحة هذا التقدير في ضوء ما هو معلوم للكافة عن صعود الخط البياني للمسار الاتحادي الأوروبي، وتحرق معظم القوى الدولية لخطب وده، وأشواق بعض القوى المجاورة، مثل تركيا، إلى الانخراط فيه وكذا بالنظر إلى تضاده، أي الاستفتاء، مع تيارات الأوربة والعولمة والنزوع الدولي العام إلى التكوينات الكبيرة في إطار التنافس الاقتصادي وفرض النفوذ والسطوة على الصعد الإقليمية والدولية.

ترى هل فقد البريطانيون حساسيتهم تجاه هذه المسائل؟ ما الذي يستحثهم على السعي في عكس الاتجاه على المستويين الأوروبي والعالمي؟

على نحو ما، يوقع هذا الاستفتاء جرحاً مؤلماً للتوجه الإقليمي الأوروبي وربما طعن في صدقيته.

يجوز لنا هذا الاعتقاد في ضوء المطالب التي تفاوض عليها لندن: ضرورة إضعاف تيار الاندماج السياسي للاتحاد؛ ووقف تدفق الأوروبيين- ناهيك عن المهاجرين واللاجئين الأغراب- إلى بريطانيا والحيلولة دون تمتعهم بمزايا مواطنيها؛ وتحجيم دور الأطر الاتحادية وفي مقدمتها البرلمان الأوروبي لصالح المؤسسات القومية؛ وتقليل الأعباء المالية الملقاة على عاتق بريطانيا وتوسيع هامش قوة الاسترليني مقابل اليورو.

وهذه كما ترى استحقاقات تعاكس تطور التجربة الاتحادية من الأساس، وتعمل على تجويفها وفرملتها.

مع ذلك، فإن الشركاء الاتحاديين؛ الثلاثة الكبار منهم بخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، لم يستنكفوا عن تفهم هذه الرغبات الجذرية، معتبرين أن كل شيء قابل للأخذ والرد، ومثبتين حرصهم على عضوية بريطانيا وإبقائها داخل التجربة.

تقول استطلاعات الرأي إن البريطانيين منقسمون بالتساوي تقريباً بين المؤيدين والمعارضين للبقاء في الرحاب الاتحادية. ويجتهد قادة هذين الفسطاطين في استقطاب الناخبين إلى حجته.

ومع أن فسطاط الانعزاليين الانكماشيين القوميين، إن جاز المفهوم، يشيع أن بريطانيا «العظمى» ستكون أفضل أمنياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً خارج الاتحاد، إلا أن منطق العصر والمستقبل يوحيان بالضد. وأنه إذا ما انتصر المصوتون لهؤلاء الشوفينيين، فسوف يندمون جراء الخسائر المحتملة على كافة هذه الأصعدة.