«إذا لم تتمكنوا من إيقاف الحرب فابعثوا لنا على الأقل حواجز من الحديد الصلب يستطيع الأطفال الاحتماء بها وأرسلوا لنا بعض الطعام ليقينا من الموت جوعاً، الأطفال في سوريا جياع فهم يأكلون الطين».
هذه صرخة أطلقتها «زينة» الطفلة السورية التي تبلغ من العمر 12 عاما والتي نجحت بالنزوح مع عائلتها مؤخرا بوجه زعماء العالم عشية محادثات السلام في جنيف بين الفرقاء السوريين بحضور إقليمي ودولي كثيف، محادثات ستحدد مصير بلدها.
احتلت الصور الصادمة والمرعبة التي تميط اللثام عن حالات الحصار والجوع والموت وتردي الأوضاع الإنسانية في «مضايا» السورية الساحات الإعلامية. فهناك نحو مليون سوري يشكون من الجوع ناهيك عن الحالة الصحية المتردية إلى اقصى الدرجات. وقد نشرت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية دراسة ميدانية تشير إلى أن هناك 52 منطقة في سوريا تتعرض للمجاعة بينها 49 تحت سيطرة النظام السوري.
المجاعات وما يرافقها من معاناة وضحايا في العالم ليست ظاهرة جديدة فهي قديمة قدم الصراعات على سطح الأرض، هذه الظاهرة تنشأ بسبب نقص أو ندرة أو انعدام المحاصيل الزراعية نتيجة الكوارث الطبيعية كالأعاصير والزلازل والصقيع وموجات الجفاف والفيضانات والأمراض والآفات الزراعية أو لأسباب أخرى من صنع الإنسان ..
وهي الحروب التي تفرض الحصار على المدن لتركيعها واحتلالها أو تقطع الطرق بحراً أو براً وتمنع وصول الإمدادات الغذائية إليها. الأسرة الدولية تسارع لنجدة المناطق المنكوبة بسبب الكوارث الطبيعية وتقديم شتى أنواع المساعدات إلا أنها لا تفعل ذلك لنجدة المدنيين الجياع المحاصرين بسبب الحروب.
كان ضحايا الجوع أكثر من ضحايا القنابل والرصاص في الحرب العالمية الثانية، ففي حصار مدينة لينينغراد الروسية وحدها كان الموت يحصد ما يزيد على الألف شخص يوميا. ومع نهاية هذه الحرب أعارت المؤسسات الأكاديمية أهمية كبيرة لما يجري للإنسان، على المستويين الفسيولوجي والسايكولوجي، الذي يخضع للتجويع وعذاباته.
إذ قامت جامعة مينيسوتا الأميركية عام 1944 بدراسة تجريبية لظاهرة التجويع حين اختارت ست وثلاثين متطوعاً أعربوا عن رغبتهم بالانخراط في هذه التجربة.
غير أن المحاكاة هذه غير تامة في هذه التجربة وذلك لعدم تعرض المشاركين فيها للخوف والهلع على أنفسهم أو على أطفالهم مما سيأتي به الغد، فحين يمتزج الجوع مع الرعب قد تنشأ تأثيرات فسيولوجية وسايكولوجية ليست مـتاحة لدراستها في هذه التجربة.
كما اهتمت الهيئات الدولية بذلك في تشريعاتها حين صدر عنها اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في أوقات الحروب المؤرخة في 12 أغسطس 1949 والمكونة من 159 مادة.
ففي المادة 23 منها ورد ما نصه «على كل طرف من الأطراف السامية المتعاقدة أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر المدنيين، حتى لو كان خصماً». وقد تعزز هذا الاهتمام في البروتوكول الأول الإضافي لهذه الاتفاقية عام 1977 حيث ورد في الفقرة الأولى من المادة 54 ما نصه «يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب».
الأمين العام للأمم المتحدة أعرب صراحة عن موقف المنظمة الدولية وأعلن أن استخدام التجويع في الحروب كسلاح هو جريمة حرب.
الحروب فعل همجي لأنها تدمر ما تحقق من إنجازات لصالح الإنسان إلا أن المحاربين في ساحات القتال قد رتبوا أوضاعهم بما يتناسب مع خياراتهم فإن حوصروا أو جاعوا أو أسروا أو قتلوا فذلك خيارهم وليس من حقهم أن يفرضوا هذا الخيار على غيرهم من المدنيين خاصة الفئات الأضعف، النساء والأطفال.
الحرب في سوريا ليست حرباً صغيرة محدودة الأثر والتأثير بل حرب كبيرة دخلت عامها الخامس ولم تعد تأثيراتها مقتصرة على الداخل السوري بل امتدت إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا كذلك بفعل لجوء مئات الآلاف من السوريين مجازفين بأرواحهم وهم في قوارب المهربين المهلهلة.
انتصار طرف على طرف آخر في هذه الحرب لم يعد أمراً يمكن تحقيقه بسبب التداخل الإقليمي والدولي لصالح هذا الطرف أو ذاك كما أصبح من غير الممكن تحمل تكاليف استمرارها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ولا بد من الإسراع في إيقاف القتال.
ضغوطات الأسرة الدولية على الفرقاء جاءت كما هي العادة متأخرة ومع ذلك نجحت في إقناعهم بالجلوس مع بعض لبحث مستقبل بلادهم فليس أمامهم خيارات عديدة لإيقاف هذه الحرب ومعالجة جميع تداعياتها غير الحل السياسي.
يتبقى أن نرى فيما إذا كانت طروحات الذين سيجلسون وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات في جنيف ترتقي إلى مستوى المسؤولية لمعالجة جراح بلدهم الذي تشرد أبناؤه وأصاب الخراب أكثر مدنه وأصبح مرتعاً للعصابات الإجرامية من كل لون ومن كل صوب.