مر عام على فراقك، عام بطعم الحنظل، ما أصعبه وما أقسى أيامه، كنت أظن أن الحزن في الرجال ضعف لا بد من قهره أو كبته أو وأده، وأن لوعة الفراق لا يكتوي بنارها إلا الضعيف.. واليوم أعلن لوعتي لفراقك، وأنك عصية على النسيان، فكيف أنساك؟! وإن فعلت فعلي أن أستقيل عن نفسي وأمحو أيام حياتي.. كيف أنساك وليس في أيامى سواك، يا مدرستي ومعلمتي وكتاب حياتي، يا نبع الحكمة وصوت الحق..

من نبع حنانك ارتوت روحي، ومن محبتك تعلمت كيف يكون الحب، ومن عطائك تعلمت كيف أعطي من حرمني، وكيف يكون العطاء بلا منٍّ أو انتظار لجزاء، ومن لين جانبك وحنان قلبك تعلمت كيف أعفو عمّن ظلمني، ومن حسن تربيتك تعلمت علوم الدين والدنيا.. كم أشعر بالوحدة وكم أشعر بالوهن، لأنك كنت أنسي من وحشتي، وكنت سندي من بعد الله وعوني.

بعدك لم أعد أعرف للأيام اسما أو رسما، وكم باتت الدنيا غريبة من دونك، فقد كنت لي ملكا زال عند فراقك، أدعو من لا يزول ملكه أن يرحم من زال ملكه. لن أنساك، وأنا لم أعرف الابتسامة يوم أن فارقتك فانتزعت البسمة مني، وكأن بسمتي كانت من وحي بسمتك، وكأن فرحتي كانت استلهاما من فرحتك، وكأن أسباب حياتي من حياتك.

كيف أنسى من توقظني دوماً لصلاتي، كيف أنسى من تدعوني دوماً لمساعدة والدي، كيف أنسى من توقظني دوماً تدعوني برفق أن أذهب إلى ذلك الرجل الصالح ليعلمني من آيات الله، التي عشت بها وما زالت نورا يهدي سبيلي، ولم يبق في ذاكرتي غير ما تعلمته حينها..

كيف أنساك وأنت التي رأت أخطائي في صغري فسترتني بين إخواني، فعلمتني أن ستر المخطئين يساعدهم على الرجوع عن أخطائهم، ويحافظ على أنفسهم من الانكسار الذي قد يجعلهم يذهبون فيما هم عليه إلى مدى أبعد.. كيف أنساك وأنت التي كنت تجمعين صوري وكتاباتي، تتباهين بها أمام إخواني وأقاربي، وأراها الآن في أدراج خزائنك..

كيف أنساك وقد رأيتك وأنت تتوجعين من أمراض تجمعت على جسدك النحيل لكنك كنت تطببين أوجاعنا، وقبل أن تمدي إلى الطعام يديك تسألين عمن لم يتناول طعامه بعد! كيف أنساك وعند حزنك كنت تفرحين لفرح غيرك، وعند فرحك كنت تتوارين لحزن غيرك، فتعلمت منك أن الصبر عند الحزن والتواضع عند الفرح من شيم الكرام.

كيف أنساك وقد وهبت لنا حياتك، فلم أرك يوما عشت لنفسك، فامتدت حياتك في حياة كل منا، وأصبح حبك يجري منا مجرى الدم من العروق.. كيف أنساك وليس لي خيار في تذكرك، فذكراك قرين فكري وخيالي، ورائحتك تملأ المكان، وصورتك مطبوعة في مخيلتي، فهل للمجبول على المحبة خيار في أن يكون غير ذلك؟ حبك لا خيار لي فيه، والحزن على فراقك فوق إرادتي وطاقاتي..

أمي يا كل نساء الدنيا وأجملهم.. مر عام على فراقك، لكنني ما زلت مع كل يوم أسمع صوتك المرتعش يتمتم بكلمات كحبات اللؤلؤ ورائحة الفل والريحان، يستمطر رحمات الرحمن، وإشراقة وجهك كنور الصبح اهتدي به في دروب حياتي.

رغم العلة كنا بظلك نحتمي، ورغم الوهن كنا بحضنك نلوذ، وعند الشدائد كنا برأيك نهتدي، هل لي بعد ذلك أن أنساك! تعلمت منك كيف يربى الرجال، وكيف يكون الرجل، حين كنت تسدين لي بما ترينه ثم لا تدفعينني إلى الالتزام بما ترينه، غير أن أتحمل عواقب اختياري تحمل الرجال دون ندم أو وهن، وعلمتني أن الندم على عمل قمت به ولم أصب، خير من الندم على عمل كنت أود أن أفعله ولم أقدم عليه، لأن الرجال يتعلمون مما يمرون به من تجارب، وأن تعلم السباحة لا يكون أبدا بالوقوف على الشاطئ، وأن الإخفاق في عمل قمت به لا يعني الفشل، ولكن الفشل حين أكف عن المحاولة مرة ثانية وثالثة ورابعة، فلولا دروب الفشل لما عرفنا طريق النجاح.

ما زلت أذكر حين حانت غربتي، كانت أرجلي تعجز عن الحركة وأجرها كمن يجر الجبال، وأنا أرى في عينيك بركان حزن تحجر تحاولين إخفاءه، وصوتا تهدج يحاول الصمود دون جدوى ليدفعني لاستكمال دراستي، ولما أمسكت بيديك أقبلهما كأنما ثلج الشتاء قد تجمع عليهما، وتقولين لي: تذكر دوما أن فرحتي وهنائي يوم ترجع لي رافع الرأس بعلمك.. وقلبك يتفطر كمدا وحزنا.

ورغم الغربة والفرقة كنت دوما معي مرشدا ودليلا، وصوتك يملأ أذني، وخطوات قدميّ أستمدها من خطواتك، ورغبتي في النجاح من فرحتك بنجاحي، وكأنني كنت نفسك ولم أكن نفسي، وكأن روحي قد تلبست روحك.

أمي يا قصة عمري، بيديك سطرت أيام حياتي، ولأن حياتي كانت هبة من حياتك، صرت بعد فراقك جسدا يفقد روحه.. ما أصعب فقدان الروح! مر عام على فراقك بألف عام، ما أصعبه، أحن في الشتاء إلى دفء حضنك، وحين الهجير إلى وارف ظلك، أحن إليك دوما، فمكانك خالٍ عز أن يشغله غيرك ولو كانوا كثراً.

أمي سامحيني ليوم لم أكن فيه بجوارك حين كان يجب، ولنداء عز على أن ألبيه، ولدمعة سقطت من مقلتيك فلم أتلقها بيدي لأعطر بها جسدي، ولألم ألم بجسدك لم أستطع أن أحمله عنك، وأنت التي تحملت السير في طريق الآلام كي لا نتوجع.. سامحيني ان لم أبد لك يوما كم أحبك، لأني أعلم أن قلبك كان جوار قلبي، ولأن لغة اللسان تتعطل أمام لغة القلوب، وسامحيني لفرط حزني على فراقك، فقد كنت روح المكان ومكان الروح. رحمة من الرحمن وجنات من الفردوس منزلتك هي دعواتي لك.