واضحة هي مواقف دولة الإمارات وسياستها، لا تخادع ولا تراوغ، مع أن السياسة في مفهوم البعض هي فن المراوغة، لكن دولة الإمارات منذ تأسيسها لم تعرف إلا الوضوح، مع نفسها قبل الآخرين، ولم تتعامل إلا بالصدق والمصارحة، مع العدو قبل الصديق.
لذلك فحين يؤكد سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني، نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، أن دولة الإمارات تنتهج نهجاً واضحاً وصريحاً في مكافحة ومقاومة الإرهاب والعنف والتطرف الفكري والعقائدي، الذي أصبح ظاهرة تشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً للأمن والاستقرار.
وحين يقول سموه إن الأمن والأمان من ركائز ودعائم التنمية والاستقرار في دولة الإمارات، فهو إنما يقرّ حقيقة واقعة، ويؤكد أن بلادنا لم تكن لتشهد هذا التطور المتسارع الذي شهدته خلال العقود القليلة الماضية، دون رؤية واضحة، تضع أمن المواطنين والمقيمين فوق كل اعتبار، ولا تسمح لأي طرف أو جهة بالمساس بهذا الأمن تحت أي ذريعة أو مسمى أو شعار.
دولة الإمارات التي يعيش على أرضها أكثر من 200 جنسية، جاؤوا من دول مختلفة يشهد بعضها حروباً طاحنة وصراعات طائفية ومذهبية وعرقية عميقة، ومع هذا فهم يتعايشون على أرض الإمارات دون أدنى ذرة على حياتهم من تأثير لتلك الصراعات التي تشهدها بلدانهم. وهو ما عبر عنه أكاديمي هندي يعمل في جامعة زايد، في ورقة قدمها خلال المؤتمر السنوي الثالث لندوة الثقافة والعلوم، الذي نظمته الندوة العام الماضي تحت عنوان «الإمارات في عيون الجاليات»، عندما ذكر أن واحداً من أكثر الآثار التي تركتها إقامته في دولة الإمارات ثلاثة عشر عاماً..
هو تحسين مفهومه للدين والتسامح الديني، إذ أصبح الدين بالنسبة له شأناً خاصاً أكثر منه تعبيراً عاماً، الأمر الذي جعله يشعر براحة أكبر، فتغير موقفه من باكستان والباكستانيين الذين يوجد بينهم وبين الهنود عداء تاريخي، ما زال ممتداً منذ انفصال باكستان عن الهند في أواخر الأربعينات من القرن الماضي وحتى اليوم، فأصبح للدكتور جناردين في الإمارات صديق باكستاني، يزوره وعائلته في بيته لتناول العشاء، كما أصبح هو وعائلته يأكلون أيضاً في بيت صديقهم الباكستاني، وغداً، كما يقول، قادر على الاستمتاع أكثر بمباراة كريكيت هندية باكستانية، كانت بالنسبة له واحدة من مصادر الاحتكاك الرئيسية بين مواطني البلدين.
وأواخر الشهر الماضي شهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، حفل تخريج الدفعة الأولى من طلبة «جامعة نيويورك أبوظبي»، حيث كان المتحدث الرئيسي في حفل التخرج. وفي الكلمة التي ألقاها خلال الحفل، قال كلينتون إن جامعة نيويورك أبوظبي التي تضم 620 طالباً وطالبة، ينتمون إلى 102 دولة، تمثل بيئة فريدة لتنوع الثقافات والقيم والأعراق والأديان، فهؤلاء الطلبة جاؤوا جميعاً من خلفيات ثقافية متنوعة، وحققوا نجاحات بارزة في أروقة هذه الجامعة. ودعاهم لأن يكونوا فاعلين في مسيرة تقدم العالم ونهضته.
وخلال إعلان الرئيس الأميركي الأسبق عن فوز فريق طلابي من «جامعة نيويورك أبوظبي» بجائزة «هولت غلوبال كيز العالمية» التي قيمتها مليون دولار، قال كلينتون إن الفريق الفائز بالجائزة يتكون من أربعة طلاب من دول مختلفة، هي باكستان والهند والصين وتايوان، تعلموا وتدربوا وأبدعوا في أروقة «جامعة نيويورك أبوظبي». وذكر كلينتون في كلمته أنه، بخلفيته التاريخية عن الخلافات بين الدول التي ينتمي إليها الطلبة الفائزون الأربعة..
ويقصد بها الخلافات بين باكستان والهند وبين الصين وتايوان، أراد أن يتأكد، قبل صعودهم إلى المنصة لاستلام الجائزة، من عدم اعتراضهم على التقاط صورة تذكارية لهم، موضحاً أن هذه الصورة ربما تنشر في وسائل الإعلام في بلدانهم، الأمر الذي قد يسبب لهم حرجاً مع حكوماتهم، فكان ردهم (We are so over that)، ما يعني أنهم قد تجاوزوا ذلك بمراحل.
هذه الأرضية الممهدة للتآلف والتسامح، وتجاوز الخلافات السياسية والدينية والعقائدية والعرقية، لا يمكن أن توفرها إلا دولة تعيش توافقاً مع النفس قبل الغير. وهذا المناخ الصحي للتعايش بين هذه المتضادات، الذي توفره دولة الإمارات لم يأت من فراغ ...
ولم يتكون خلال عام أو عامين، وإنما هو نتاج سياسة معتدلة ومتوازنة وواضحة، تراكمت عبر عقود، لا تتخذ من الشعارات البراقة ستاراً تخفي وراءه مؤامرات تحيكها ضد أحد، ولا تتدخل في شؤون أحد، لأنها تؤمن بحق كل دولة في اختيار النهج الذي تسير عليه وتدير به شؤونها. وهي حين تتخذ مواقف من بعض الجماعات والأفكار الدخيلة على مجتمعها، فإنما تفعل ذلك من باب الحرص على سلامة هذا الوطن، الذي وفر الأمن والأمان لمواطنيه، ولكل من يعيش على أرضه.
الإماراتيون يدركون أن هذا لا يحدث إلا في الإمارات، وهم سعيدون بالنهج الذي تنتهجه قيادتهم، وفخورون بهذه القيادة التي استطاعت أن تنهض بهذا الوطن خلال سنوات قليلة..
وتنتقل به من نجاح إلى نجاح في زمن قياسي. وهذه السعادة لا يمكن أن تستمر إلا بالمحافظة على المنجز والإضافة إليه، لذلك فإن سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان حين يقول إن دولة الإمارات حريصة أشد الحرص على التطور المستمر، وعدم الركون لما هو منجز، وإنها تشجع دوماً على تبني أحدث الممارسات وأفضلها، فإنه لا يكشف بهذا سر نجاح دولة الإمارات فقط، وإنما يرد على كل الحاقدين والمغرضين، كي تخرس ألسنتهم، وتصمت أقلامهم.