في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيراً، أمام خريجي أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية في نيويورك، دافع بحماس عن سياساته التي أسقطت خيار اللجوء للقوة في مواجهة بعض القضايا التي فشلت جميع الوسائل السلمية والدبلوماسية في مقاربتها بإيجابية، مذكراً الجمهوريين، أشد المنتقدين لهذه السياسات، بمقولة الرئيس الجمهوري دوايت آيزنهاور عام 1947، التي وصف فيها الحرب بأنها «الجنون الأكثر مأساوية والأكثر غباء لدى الطبيعة الإنسانية».
وفي خطابه هذا يرد الرئيس أوباما على الاتهامات العنيفة الموجهة إليه شخصياً وإلى إدارته، بالإضرار بصورة الولايات المتحدة وحضورها العالمي، وإضعاف مصداقيتها وتنحيها عن دورها القيادي رغم كونها الدولة الأقوى في العالم، وهي إتهامات صدرت من قبل الأوساط الأميركية نفسها، قبل أن تصدر من حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.
يأتي خطاب أوباما في وقت تواجه فيه سياساته الخارجية بعض المتاعب، من قبل أوساط واسعة أميركية وأوروبية وشرق أوسطية، فاستراتيجيته الهادفة نحو فك الارتباطات التي كبلت الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط جراء الحروب التي خاضتها، واستبدالها بالتوجه نحو جنوب شرق آسيا لمواجهة الثقل الروسي والصيني الذي تعتبره التحدي الأكبر لها، تثير الكثير من النقد لأنها تتعارض مع ما دأبت الولايات المتحدة على الترويج له في أجندتها منذ عام 2001، وهو محاربة الإرهاب.
فها نحن نشهد حجم الدور الذي يمارسه الإرهاب، تحت مسمى القاعدة أو مسمى داعش أو مسميات أخرى، في أكثر من دولة في المنطقة، بل نشهد أكثر من ذلك، وهو أن قوى إسلامية سياسية تحالفت معها الولايات المتحدة، بدأت هي الأخرى تنفذ مهام في بلدانها لا يمكن وصفها بغير الإرهابية.
ومن جانب آخر، توفر استراتيجية أوباما فرصاً ذهبية لدول أخرى إقليمية، لإعادة التوازنات في منطقة الشرق الأوسط، لتصبح محصلتها في صالح روسيا التي تطمح لممارسة دور الاتحاد السوفيتي السابق على المستوى العالمي.
فهي قد بدأت تمارس دوراً تصاعدياً في مناكفة الولايات المتحدة ووضع العراقيل أمام سياساتها، منذ مجيء الرئيس بوتن عام 2000 إلى سدة الرئاسة، وهو ما يعتبر من الكبائر لدى صقور الجمهوريين، الذين يرون أن الأمن القومي للولايات المتحدة يكمن في عدم السماح ببروز قوة عظمى تنازع أميركا مكانتها في العالم.
تحدث الرئيس أوباما، بلهجة من يحس مرارة الجحود وعدم تقدير نهجه في تجنب تكرار أخطاء ارتكبها من سبقوه، مثلما حصل في العراق وفي غيره من التدخلات والحروب، واصفاً إياها بأنها تأتت نتيجة سيطرة ما أسماه «إرادة المشاركة في مغامرات عسكرية من دون التفكير في النتائج».
وهو بهذا التشخيص لطبيعة تلك الحروب، يقلل جداً من جدوى سياسات انتهجها أحد عشر رئيساً سبقوه في البيت الأبيض، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فالحروب التي خاضها هؤلاء الرؤساء، بغض النظر عن شرعيتها أو عدم شرعيتها، ومنها الحرب الكورية والحرب الفيتنامية والتدخل في غواتيمالا وغرينادا وبنما، وإسقاط أنظمة سياسية لا تروق للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وحربها في البوسنة والهرسك وفي صربيا، ولاحقاً احتلال أفغانستان ثم العراق.. ه
ي التي صنعت للولايات المتحدة المهابة، وليس بالضرورة الاحترام، التي تتمتع بها، حيث أصبح يحسب حسابها في أي قرار يتخذ حتى على المستوى المحلي، من قبل بقية دول العالم، وليس من الموضوعية تجاهل ذلك.
لم تنفصل هيبة أية دولة عن قدراتها العسكرية منذ فجر التاريخ حتى يومنا الحاضر، ولم تحتل الدول العظمى مواقعها المتميزة عالمياً إلا من خلال تاريخ طويل، لعبت قواتها العسكرية الدور الرئيس في كتابته، عبر رسم المعالم الجغرافية للعالم الذي نعيش فيه.
كما أن النجاح الدبلوماسي والسياسي الذي تحققه الولايات المتحدة في هذه القضية أو تلك، ليس بمعزل عن القوة العسكرية الأميركية، حيث يسلط المفاوض الأميركي ضغوطاً لا يستطيع الطرف الآخر تجاهلها والمخاطرة بجني نتائج ذلك. فطالما اعتبرت الدول العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن أمنها القومي يرتبط بدورها القيادي العالمي.
قضيتان أحرجتا الرئيس أوباما وتراجعت فيهما هيبة الولايات المتحدة ولويت ذراعها، القضية السورية، والقضية الأوكرانية.
فهو لم يستطع أن يخفي حقيقة أن رؤيته وقناعاته تتعرض للاهتزاز أمام حقائق الواقع، فهو حين يدعو إلى تخصيص خمسة مليارات دولار لدعم شركاء الولايات المتحدة ضد «الإرهاب»، ويعد بتقديم المزيد من الدعم للمعارضة السورية، يقر بأن السياسات التي انتهجها لم تفلح في التقليل من حجم الإرهاب، ولم تسهم في إضعاف النظام السوري، كما أن سياسة الانكفاء نحو الداخل التي انتهجتها إدارته، سهلت مهمة روسيا في ابتلاع القرم.
والحقيقة أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة، تبدو متخبطة تفتقر إلى استراتيجية واضحة، إلا أنها أصبحت أكثر ارتباكاً مع مجيء الرئيس أوباما إلى سدة الحكم. فقد غدت الولايات المتحدة، بعد أن جردت الخطوط الحمراء من هيبتها، سهلة الانجرار إلى حرب باردة مع دول أضعف منها كثيراً على مختلف المستويات.