بينت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي انتهت الأسبوع الماضي، أن القارة العجوز تتجه نحو المزيد من التأزم والمشاكل الكبيرة، التي قد تؤدي إلى صراعات في المدن والشوارع أشبه بما يحدث في دول الشرق الأوسط، ذلك أن هذه الانتخابات شهدت بوضوح صعود الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة، لتحتل مواقع لا بأس بها في البرلمان الأوروبي، حتى ولو كانت أقل من الأغلبية، لكن خطورتها تتمثل في وحدة مواقفها وآرائها تجاه القضايا الأساسية في القارة، بينما الآخرون المعتدلون واليساريون ليسوا كتلة واحدة.

وأخطر ما في هذه القضية، والذي يخيف التيارات المعتدلة في أوروبا والولايات المتحدة، هو ميل هذه الأحزاب القومية واليمينية المتطرفة لتأييد روسيا في سياساتها، وخاصة في الأزمة الأوكرانية، حيث وجهت قيادات هذه الأحزاب في مختلف الدول الأوروبية، انتقادات لاذعة للأنظمة الحاكمة التي دعت لتوقيع عقوبات على روسيا بعد عودة القرم إليها.

ومعظم هذه الأحزاب تعتبر نفسها صديقة لروسيا، وقادتها كانوا يترددون بشكل دائم على موسكو طيلة السنوات الماضية، يستمدون منها الدعم السياسي وربما المادي، كما تتهمهم بذلك جهات أمنية في بلادهم.

ولذلك خرج العديد من الصحف الأوروبية بالقول إن نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي تصب بشكل واضح في مصلحة روسيا.

لقد شهدت الانتخابات تراجعاً واضحاً للأحزاب الحاكمة، مما يعكس غضباً وسخطاً شديدين لدى شعوب أوروبا، ليس على دولهم فحسب، بل على الاتحاد الأوروبي الذي تراجع إيمان الأوروبيين به، وزادت الاتهامات الموجهة ضده بأنه بات اتحاداً سياسياً تديره دمى تحركها واشنطن وفق مصالحها، وأن هذا الاتحاد أهمل تماماً مصالح الشعوب الأوروبية، وعندما وقعت الأزمة المالية التي تسبب فيها أغنياء وأباطرة رأس المال في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ذهب الاتحاد الأوروبي لينتقم من شعوب أوروبا، بفرض سياسات تقشف وتجويع وضرائب زادت الفقراء فقراً والأغنياء ثراء.

ولهذا كان طبيعياً أن تنهض هذه الأحزاب القومية واليسارية المتطرفة والمهمشة طيلة أكثر من نصف قرن مضى، ذلك أنها الأقرب إلى الشارع وإلى المواطن الأوروبي وقضاياه.

المراقبون والمحللون يرون أنه في حال تعزيز مواقع هذه الأحزاب داخل بلادها وفي البرلمان الأوروبي، فسيكون ذلك من مصلحة روسيا، وأكثر من ذلك يمكنها أن تتحالف مع أحزاب أقصى اليسار التي تتعاطف تقليدياً وتاريخياً مع موسكو.

ولقد ساند زعماء هذه الأحزاب سياسة موسكو بصورة عامة، وفي الأزمة الأوكرانية خصوصاً، ويقول قادة هذه الأحزاب «نحن نعتقد أن فلاديمير بوتين قد أعاد موقع روسيا في الاقتصاد والجغرافيا السياسية، وأصبحت تحظى باحترام كبير في العالم».

كما أن عدداً من ممثلي هذه الأحزاب في البرلمان الأوروبي، كانوا ضمن المشرفين على الاستفتاء الذي جرى في القرم يوم 16 مارس الماضي.

لكن السؤال الهام هنا هو؛ ما مدى استجابة موسكو لميول اليمين المتطرف الأوروبي ؟ موسكو التي لم تبد أي اهتمام أو حماس تجاه نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية، ولا تجاه تصريحات البعض بأن هذه النتائج تصب في مصلحتها، تنفي في نفس الوقت أنها تراهن على اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي.

فقد صرح ممثل روسيا في الاتحاد الأوروبي، فلاديمير تشيغوف، رداً على هذه التوقعات والآراء، بالقول «إن اتهام موسكو بالتحيز السياسي لا أساس له أبداً، بل هي من مصلحة الذين لا يرغبون في تطوير علاقات التعاون بين روسيا والاتحاد الأوروبي».

موسكو ترى أن فرص الأحزاب اليمينية المتطرفة في تشكيل كتلة في البرلمان الأوروبي ليست كبيرة، لأنه من الصعب أن تتفق هذه الأحزاب التي تدعو إلى اتخاذ مواقف متشددة جداً وقومية متطرفة وحتى محلية، وتشكل كتلة متحدة لها برنامج واحد وأهداف ومصالح واحدة، فهذا أمر شبه مستحيل لأن القضايا التي تتبناها هذه الأحزاب محلية أكثر منها إقليمية أو أوروبية.

ونظام البرلمان الأوروبي في حد ذاته لا يسمح بثبات التشكيلات والكتل داخله، لأن الانتخابات التجديدية دورية، والتغييرات واردة قريباً.

روسيا لا تريد أن تعود للنظام السوفييتي الذي كان يتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويدعم أحزاباً شيوعية ويسارية ويمينية متطرفة، ويعادي الأنظمة والأحزاب الحاكمة، ومستقبل الأحزاب اليمينية المتطرفة غير مضمون، حتى لو وصلت للسلطة، فسرعان ما تلفظها الشعوب وتتجه للاعتدال.

 لكن هذا لا يعني أن موسكو ستدير ظهرها تماماً لهذه الأحزاب الصاعدة وترفض التعاون معها، بل ستمد لها يدها وسوف تستغل تأييدها لسياساتها، خاصة في ظل سياسات واشنطن والأنظمة الأوروبية المحافظة الحاكمة، والتي بدت في الأزمة الأوكرانية عدائية لروسيا بشكل واضح.