تتأرجح الأزمة الأوكرانية بين مد وجزر، لكن الواضح على الساحة هو ثبات الموقف الروسي وتمسكه بكافة مطالبه وشروطه، بينما يبدو واضحا تراجع الغرب عن مواقفه الحادة تجاه روسيا، واقتصار الأمر على تصريحات من بعض العواصم الأوروبية وواشنطن، تندد وتحذر روسيا بتحذيرات وتهديدات ضعيفة للغاية.
وانعكس الموقف الغربي بشكل واضح على الساحة الداخلية في أوكرانيا، فقد استشعرت السلطة في كييف تردد الأوروبيين في دعمها خشية الصدام مع روسيا، بينما لا يبدو أن واشنطن مستعدة للخوض أكثر وحدها ضد روسيا، من أجل نظام حكم في كييف مشكوك كثيرا في استمراريته وصموده أمام الاحتجاجات الشعبية، التي أدت إلى استقلال أكبر إقليمين (لوغانسك ودونيتسك) والبقية تأتي.
وقد شهد يوم الثلاثاء العشرين من مايو تغيرات حيوية في أوكرانيا، تعكس تفوق الموقف الروسي وتراجع الموقف الأوكراني، مع صمت تام من الغرب يعكس خيبة أمله بعد بروز مؤشرات فشل المخطط الانقلابي المدعوم من واشنطن في تحقيق أهدافه.
وذلك بعد الفشل الذريع للقوات الأوكرانية في قمع الحركات الاحتجاجية في الشرق الأوكراني، الذي صمدت فيه كتائب المقاومة الشعبية صمودا قويا في وجه القوات الأوكرانية المهاجمة، وكبدتها خسائر فادحة واضطرتها للتراجع خارج حدو الأقاليم.
وأعلن الرئيس الأوكراني المعين من قبل الرادا العليا (البرلمان) ألكسندر تورتشينوف، أن هناك مشروع قرار اتفق النواب على إقراره في البرلمان، يدعو إلى وقف جميع العمليات العسكرية وعودة جميع العسكريين المشاركين في العملية الخاصة شرق البلاد إلى مواقعهم الدائمة فورا.
كما يتضمن المشروع وعدا بتعجيل القيام بالإصلاح الدستوري على أساس مبدأ «اللامركزية»، وهذا هو المطلب الأساسي للأقاليم في شرق أوكرانيا التي تطالب بالفيدرالية.
وينص المشروع أيضا على أن قرار مشاركة البلاد في أي اتحاد دولي يُتخذ من خلال استفتاء شعبي فقط، ووعد البرلمان الأوكراني في حال إقرار المشروع بتثبيت صفة اللغة الروسية في الدستور الجديد.
ولم تمض ساعات حتى أعلن البرلمان الأوكراني مساء نفس اليوم أنه أقر المشروع المطروح، وأطلق عليه اسم «مذكرة السلام والوفاق»، وأهم بنود المذكرة هو «وقف العمليات العسكرية ضد مناطق جنوب شرق البلاد»، والتعهد بتحقيق وتطبيق نظام لا مركزية السلطة في البلاد، أي النظام الفيدرالي الذي يعطي استقلالية للأقاليم عن المركز في كييف.
وتثبت المذكرة المتبناة الوضع الدستوري للغة الأوكرانية كلغة للدولة، مع تعهد الدولة كذلك «بضمان حقوق لغات القوميات الأخرى في أماكن تواجدها المكثفة»، والمقصود هنا اللغة الروسية التي كان الانقلابيون متمسكون بإلغائها.
هكذا تحقق معظم مطالب الأقاليم الشرقية والجنوبية الرافضة للسلطة الانقلابية في كييف، وهكذا حقق الدعم الروسي القوي للأقاليم المحتجة أهدافه الرئيسية.
من جانبها أبدت موسكو حسن نيتها ودعمها للتهدئة، حيث أصدر الرئيس الروسي بوتين أوامره للقوات الروسية المتواجدة في غرب روسيا بالعودة إلى أماكن مرابطتها، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن وحدات القوات المسلحة الروسية بدأت بالفعل العودة لمواقع مرابطتها الدائمة من التدريبات في المقاطعات الروسية المجاورة لأوكرانيا.
لكن الأوضاع لم تهدأ، بل عادت القوات الأوكرانية تهاجم الأقاليم الشرقية والجنوبية، وذلك مع إعلان هذه الأقاليم مقاطعتها لانتخابات الرئاسة، وهذا يرجع لوجود تيار متطرف داخل السلطة الحاكمة في كييف، له مصالح خاصة في التصعييد وموجه من الغرب بهدف استفزاز روسيا ودفعها للدخول في مستنقع القتال في أوكرانيا.
أمام هذا التيار المتطرف يوجد تيار آخر في السلطة في كييف، على قناعة تامة بأن الأوروبيين والأميركيين لن يدعموهم بالشكل المطلوب أمام الاحتجاجات الشعبية المدعومة بقوة من روسيا.
ويبدو أن موسكو تعول على هذا التيار، ولهذا تطالب بالانتقال السريع إلى مرحلة الحوار السياسي الذي من المتوقع أن يكون لروسيا السيادة فيه وتوجيهه وفق ما تريد، باعتبارها صاحبة الموقف الأقوى على أرض الواقع.