حال إعلان نتائج الانتخابات النيابية في العراق، بدأت تتسرب إلى الإعلام الشكوك والطعون في نزاهتها، من معظم الكيانات المشاركة في العملية السياسية، مع تقديم أدلة على ذلك. والحقيقة أن نتائج الانتخابات، بغض النظر عن وجود أدلة مادية كثيرة على عدم نزاهتها، هي التي تتحدث عن نفسها، ولا حاجة لأن نذكر أكثر من أن سبعة وعشرين من المرشحين لم يحصلوا على أي صوت في الانتخابات، وكأنهم وعائلاتهم وأقاربهم وأصدقاؤهم والمقيمون بجوارهم، قد قرروا مقاطعتها!
نتائج الانتخابات محبطة للغاية لمن وضع التغيير شعاراً لا بديل عنه، لأجل أن يتعافى العراق من أمراض، يبدو أن هناك غلبة للقوى التي تسعى لجعلها متوطنة في ربوعه، فمن غير المرجح أن تنجح الطعون الكثيرة في تغيير الصورة العامة لنتائج الانتخابات التي كرست بقاء أحزاب الإسلام السياسي في الواجهة، على الرغم من أن مجلس النواب الجديد سيضم أكثر من مئتي وجه جديد مقابل من استبعدوا، ومنهم بعض الوجوه القيادية في حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي.
فالقوى التي تدعو لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس عصرية مدنية، لم تحصل سوى على عدد قليل من المقاعد لا يصل إلى عدد أصابع اليدين، ما أحبط قطاعات واسعة من الشعب طامحة للتغيير الحقيقي، إذ لن يكون لهذه القوى تأثير في مسارات تشكيل الحكومة القادمة، التي ستلعب الكتل الكبيرة الفائزة الدور الأكبر في هندستها، فالمشروع المدني لبناء الدولة العراقية، هو الخاسر الأكبر في الانتخابات.
من تجربة الانتخابات السابقة، التي سبقتها، فإن تشكيل الحكومة يمثل أزمة حقيقية من الصعب تجاوزها من دون حسم إقليمي وأميركي، فهي ليست قضية محلية، بل قضية تهم جميع الدول الإقليمية، خاصة إيران والسعودية، وتهم المجتمع الدولي الذي يتزايد قلقه من انتشار حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
كانت الانتخابات بالدرجة الأولى بمثابة استفتاء على بقاء المالكي أو رحيله، ولكنها لم تستطع أن تحسم ذلك، فقد حصلت كتلة المالكي على اثنين وتسعين مقعداً، متفوقة بمسافة كبيرة عن الكتلة التي تليها، وحصل هو شخصياً على أكثر من سبعمئة صوت في بغداد.
ولكن ذلك لن يحسم المعركة لصالحه، إذا تمكن بقية الفرقاء الذين يصرون بشدة على إبعاده من صياغة سيناريو تتشكل في إطاره الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فمعركة تشكيل الحكومة امتداد لمعركة الانتخابات لإزاحة المالكي، وحرمانه من الحصول على ولاية ثالثة.
الأجواء في الساحة السياسية يسودها الترقب والقلق والتشكيك والضغوط والمساومات، وهناك تسريبات وتسريبات مضادة بين كتلة دولة القانون، والكتل الأخرى المعارضة، بعضها قد لا يكون لغير جس النبض أو لخوض حرب سيكولوجية تربك الطرف الآخر، إلا أن بقاء المناخ السياسي الذي يتميز بعدم وجود استقرار في مؤسسات الدولة، خاصة التشريعية والقضائية، الذي سمح لكتلة دولة القانون بالتملص من الضمانات التي قدمتها للكتل الأخرى عام 2010، يعزز عوامل الرفض وعدم الثقة بمرشح هذه الكتلة ووعوده.
هناك عقبات كبيرة تعترض المالكي، أبرزها على المستوى المحلي، خسارته لتعاطف المرجعية الدينية، لا بل انحيازها ضده وإصرار الكتل الكبيرة الأخرى على استبعاده، كما أن من المستبعد أن يحظى بمقبولية من قبل الولايات المتحدة، التي بدأت ترى في استمرار وجوده عقبة أمام المصالحة الوطنية، ومزيداً من الانحدار نحو التناحر الداخلي، وإحراجاً لمشروعها الذي ترعاه منذ احتلالها للعراق، إلا أن هذه العقبات لم تفت في عضده، فهو يسعى إلى وضع الآخرين أمام الأمر الواقع، بغطاء دستوري يصعب عليهم التغاضي عنه، فما حظوظ المالكي للبقاء في السلطة؟ وما الذي يتوافر لكتلة دولة القانون من أدوات لتذليل الصعاب التي تواجهها؟
المالكي بحاجة أولاً إلى الإبقاء على كتلته صامدة غير معرضة للتجزئة من جهة، ومن جهة ثانية يحتاج إلى تفتيت وتجزئة الكتل الكبيرة الأخرى أو بعضها، لضمها إلى جانبه وتحقيق اختراق يمكنه من الحصول على العدد الكافي من الأصوات في المجلس.
وهو يعول في ذلك على عاملين، الأول محلي يمتلك هو وكتلته مفاتيحه، والآخر خارجي إقليمي، فعلى المستوى المحلي سيعمد إلى تفتيت الكتل الأخرى عن طريق الضغوط وتقديم الإغراءات، مستخدماً الموقع الذي تتمتع به كتلته وهي على رأس السلطة.
وفي متناولها المال والجاه والنفوذ والقدرة على منحه لمن لا مانع لديه من قبوله والتنكر لمبادئه وللشعارات التي طرحها ووصل بوساطتها إلى قبة البرلمان، فليس لدى دولة القانون خط أحمر على أحد، على خلاف الكتل الأخرى الكبيرة التي وضعت خطوطاً حمراء على هذه الكتلة، طالما تصر على طرح المالكي كمرشح أوحد لرئاسة الحكومة، أما على المستوى الإقليمي فهو بحاجة إلى دعم إيراني كما حصل عليه سابقاً، ولكن في ضوء المتغيرات في العلاقات الإيرانية- الأميركية، قد لا يكون هذا الدعم مضموناً.
إن تفتيت الكتل السياسية هو احتمال قائم ينطبق على جميع الكتل بما فيها دولة القانون، ربما باستثناء كتلة واحدة فقط وهي التحالف الكردستاني، حيث وصلت العلاقة بين أربيل وبغداد حداً ينذر بالقطيعة التامة. الأيام المقبلة ستكون حافلة بالأحداث الصغيرة منها والجسيمة، إلا أنه أياً كانت النتائج، وسواء بقي المالكي أم استبعد، فستكون في مجلس النواب القادم كتلة أو أكثر في موقع المعارضة لأول مرة.