حين تتفاقم الأزمات في بلد ديمقراطي، يتطلع الجميع بفارغ الصبر نحو موعد الانتخابات النيابية، أو ترتفع الأصوات داعية لإجراء انتخابات مبكرة كأفضل الخيارات المتاحة دستوريا لمعالجة هذه الأزمات، فالانتخابات تأتي بخارطة نيابية جديدة أنضجتها ورسمت بعض ملامحها الأزمات نفسها، مما يسمح للطاقم النيابي الجديد بأن يتفاعل ويتعامل معها بشكل أكثر تفهما وواقعية وجدية. ولكن هذه القاعدة لها شواذ، فحين نتأمل الحالة العراقية نعثر على ضالتنا، فالانتخابات نفسها وما تتمخض عنه يصبح هو الآخر أزمة كبيرة مضافة.. هكذا كان الحال عام 2010، وهو ما يتوقع أن يكون في انتخابات عام 2014.

شهدت الانتخابات أجواء غير اعتيادية، فقد شهدنا موجات العنف والتفجيرات، وخلق أزمات جديدة، لا يتسع المجال للتطرق إلا إلى أبرزها وهي الحرب في الأنبار، التي مضى عليها أربعة شهور وتمخضت عن تداعيات خطيرة مست حياة مئات الألوف من المواطنين، زادها سوءا إغلاق بوابات أحد السدود القريبة من الفلوجة على نهر الفرات، الذي سبب أمرين خطيرين، أولهما شحة شديدة في المياه في المحافظات الجنوبية الواقعة على النهر، وثانيهما حدوث فيضان في مياه هذا النهر ليصار إلى الاستفادة من ذلك في تأجيج مشاعر الكراهية الطائفية من جهة، وإغراق جزء من حزام بغداد بما فيه قضاء أبو غريب، وحرمان معظم سكانه من الإدلاء بأصواتهم من جهة أخرى.

وصاحب هذه الأحداث الكبيرة والخطيرة، تراجع خطير في خطاب الاعتدال والتهدئة والحكمة، لحساب خطاب التصعيد والتسقيط والنزق، وهو ما لا يمكن أن يوصف بالعفوية. فقد عمل بعض الأطراف التي لها مصلحة في الإبقاء على الأوضاع كما هي، وبتصميم وقوة، على إبعاد نظر الناخب عن حقيقة الأوضاع السيئة التي ينبغي أن تكون محور اهتمامه في هذا المفصل التاريخي، الانتخابات النيابية، وصرفها نحو ما يتعلق باختلافه الانتمائي مع باقي شعبه وإشغاله بذلك.

هناك تذمر كبير مما آلت إليه أوضاع العراق على مدى الأعوام الثمانية الماضية، مع الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة، وعلى رأسها كتلة دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، التي ذهبت بعيدا جدا في تجاهلها للمخاطر التي تحيق بالعراق من جراء السياسات التي انتهجتها..

والتي ألحقت تداعياتها أبلغ الأضرار بوحدة المجتمع، وهناك في الوقت نفسه تخوف كبير من تكرار التجربة الفاشلة وإعادة إنتاجها بنسخة جديدة تغطيها المساحيق. هكذا كانت الحال عشية الانتخابات النيابية الأخيرة، التي كانت أفضل وسيلة لاختبار مدى وعي الشارع العراقي، ومدى قدرته على توظيف تذمره لصنع واقع جديد ينتشل فيه نفسه وينتشل بلده من الوحل الذي يغرق فيه، فالانتخابات هي الأداة الوحيدة المتاحة لذلك.

الكل ينادي بضرورة "التغيير" ولكن وفق أجندة مختلفة، فكتلة رئيس الوزراء طرحت حكومة "أغلبية سياسية"، بديلا عن حكومتين بمسميين مختلفين سبق أن ترأسهما المالكي خلال الثماني سنوات الماضية، وهما حكومتا "الوحدة الوطنية" و"الشراكة الوطنية" اللتان كانتا بلا مضمون.

والحقيقة أن عقبات جدية تقف في وجه تشكيل حكومة "أغلبية سياسية"، وذلك لأن أغلبية الشارع العراقي غير متحدة وراء برامج سياسية، بل هي موزعة خلف أجندات عرقية وطائفية، وبذلك فإن الأغلبية السياسية في هذه الحالة تعني حكم أحد المُكونات فحسب، وهو ما يرفضه قادة الكتل المعارضة للمالكي. ما لمسناه هو توزع الناخب العراقي في فريقين عكسا موقفين متباينين من الانتخابات، الأول إيجابي يعبر عن طموح وإصرار على المساهمة في إنجاح العملية السياسية، وتوجه نحو صناديق الاقتراع رغم الوضع الأمني القلق، وهذا الفريق هو القادر على تحقيق "التغيير".

والثاني نكوص وقنوط وعزوف عن المشاركة في الانتخابات. الفريقان قد يكونان متقاربين عدديا، فنسبة المشاركة في الداخل البالغة 60% حسب ما نشرته مفوضية الانتخابات، ربما فيها قدر من التضخيم في ضوء أجواء الانتخابات التي تطرقنا إليها، في حين أن نسبة المشاركة في الخارج لم تتجاوز 20%.

إن نتائج الانتخابات التي أعلنت مؤخرا، تفيد بأن دولة القانون قد حصلت على 93 مقعدا، بفارق كبير عن بقية الكتل، وهي بحاجة إلى 72 مقعدا آخر من أجل أن يتمكن زعيمها نوري المالكي من مباشرة رئاسة الوزارة للمرة الثالثة، ولذلك عليه التحالف مع كتل أخرى لتحقيق هدفه.

فالكتلة الفائزة في الانتخابات ليست بالضرورة هي التي تشكل الوزارة، بل الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات لها هذا الحق، وفق فتوى المحكمة الاتحادية عام 2010 التي حرمت فيها القائمة العراقية الفائزة من حقها في تشكيل الوزارة آنذاك. إن الطريق أمام المالكي ليس سالكا لأن الكتل الأخرى الكبيرة، ائتلاف المواطن وكتلة الأحرار والوطنية والعربية ومتحدون..

والكتل الكردية وكتل أخرى أقل عددا، ترفض منحه ولاية ثالثة. ولكن هذا الرفض لن يكون مجديا ما لم تتمكن هذه الكتل المعارضة لعودة المالكي، من أن تشكل الكتلة الأكبر، وهو أمر فيه قدر كبير من الصعوبة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن ذلك قد يكسر أحد الثوابت في العملية السياسية، وهو عدم المساس بوحدة التحالف الوطني الذي يجري ترميمه وإعادة تفعيله. لقد تطلب تشكيل الحكومة ثمانية شهور عقب انتخابات 2010، فكم ستستغرق عملية تشكيل الحكومة الجديدة؟