لا شك أن قيم الوفاء والبر، وحماية الضعيف ومساعدة المأزوم، واحترام الكبير والصمت في حضرته حين يتحدث، وعدم التقدم عليه حين يسير، وعدم الجلوس حين يكون واقفاً، وعدم الإدبار عنه حين يقبل، واللجوء إليه عندما تشكل وتختلط علينا الأمور، هي من أغلى ما توارثناه من قيمنا العربية، كما أنها عندنا مما نتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى.

ألم يخبرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في حديثه الشريف عندما قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»؟ فكبار السن «المسنون» عندنا هم عنوان العطاء والخبرة والبركة، وهم الشجرة التي نستظل بظلها عند الهجير، وهم نبع الحكمة الذي ننهل منه حين تستعصي علينا عاصية.

وهم مدرسة الفضيلة والخير التي نحتاج دائماً إلى التزود منها، حتى لو كنا نحمل أعلى الدرجات العلمية من أكبر جامعات العالم، إلا أننا أمامها نشعر بالضآلة، وفقر بضاعتنا في الحياة أمام بضاعتها.

ولقد حرصت القيادة الرشيدة على ترسيخ هذه القيم عبر مختلف المواقف والمناسبات، فما زلنا نتذكر موقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع المواطن محمد سالم بن خميس الكعبي (90 عاماً)، الذي عاش لحظات العمر.

كما يصفها، وهو يستضيفه في منزله المتواضع في بلدة «وادي القور» في أقصى جنوب إمارة رأس الخيمة، حيث جلس سموه على حصير بسيط مع الكعبي، يتبادل معه أطراف الحديث ويسأله عما يحتاج إليه..

ذلك أن دولة الإنسانية التي أصدرت قانون «وديمة» لحماية الطفل، والتي تلبي نداء مواطن تعرض للأذى أياً كان مكانه ومهما كان، لم تتخل يوماً عن أبنائها وهم في خريف العمر.

لذلك كله، يؤلمنا كثيراً ويؤذي مشاعرنا أن يتعرض بعض المسنين لإساءة معنوية ممن حوله، أو بدنية من المؤتمنين على رعايته، وهو ما يقابله المسن أحياناً بالصمت أو الرضى المحفوف بمرارة، ومنهم من يرفض ذلك بالبحث عن بيئة جديدة لعلها تكون أرفق به وأرحم ممن أفنى عمره لإسعادهم.

ومع كل التقدير للدور الذي تقوم به المؤسسات الرسمية في الدولة، من تأطير وضع المسنين بشكل قانوني، وألا يترك أمرهم لعطف العاطفين، أو قسوة الجاحدين ونكران الناكرين، أو تغيرات الأيام، إلا أن ترك أمر رعاية المسن للمؤسسات الرسمية فقط، هو مؤشر يجب التوقف عنده.

خاصة أن الدراسات الإحصائية الرسمية تتوقع أن يصل عدد المسنين المواطنين، وفقاً للتقديرات الرسمية، إلى 6% سنة 2017، وإلى 11% سنة 2032، و29% في سنة 2050.

ومع تقديري لجميل الرعاية التي يلقاها المسن في دار المسنين، إلا أن الدراسات العلمية تثبت أنه يكون أكثر سعادة عندما يظل في نفس المكان الذي قضى فيه عمره، وهو بيته مهما صعبت ظروفه، كما أن جزءاً مهماً من الرعاية التي يود أن يشعر بها، هو الرعاية النفسية والحنان الذي يجب أن يلقاه من أقرب الناس إليه وهم أبناؤه وأسرته، والذين لا يمكن أن تغني عنهم الرعاية التي يلقاها من غيرهم، مهما كانت جودتها.

فعندما يتقدم الفرد في العمر يود أن يرى ثمرة رحلة العطاء، وأن يرى نتاج ما بذله على مدار السنين، وأن رحلته مع الحياة لم تضع هباء منثوراً، كما أن الشجرة التي غرس بذرتها طرحت حباً وحناناً ولم تطرح حنظلاً وشوكاً، وأن أيامه لم تمر سدى..

والشاهد أنه رغم ما يلقونه من رعاية شخصية وصحية في دور المسنين ومراكز الرعاية الاجتماعية، إلا أن شيئاً ما في داخلهم يظل مكسوراً، وهو جحود الأبناء وتولي الأصدقاء.

إن بقاء المسن بين أفراد أسرته هو ما يحقق له السعادة بحق، وغير ذلك يعد شهادة من محيطه بأنه أصبح عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله ويجب التخفف منه، وأن دوره في الحياة قد انتهى بالنسبة لهم، خاصة وأن تغيير نمط الحياة في السن المتقدمة من أصعب الأمور على النفس.

ورغم أن الشيخوخة أمر نسبي لم يتم الاتفاق على معيار عمري محدد له، فضلاً عن أن معيار العمر وحده مضلل، فقد يتقدم الفرد في العمر ويظل قادراً على العمل والعطاء وإفادة من حوله، بما يمتلك من تجارب السنين، كما أن هناك من شاب وهو في سن الشباب، فضلاً عن أن وجوده بين أفراد أسرته هو الضامن للحفاظ على القيم المتوارثة.

لأنه هو الناقل لهذه القيم عبر المشافهة، حين يجلس إليه من حوله أطفالاً وشباباً ليقص عليهم أحداث أيام خلت وحصاد تجربة الحياة، كما أن الحرص على إحاطته بكل أشكال الحب والرعاية، هو درس في الوفاء والبر نعلمه لأبنائنا بالقدوة والمثل، وما نغرسه اليوم هو ما سنحصده غداً، وشاب اليوم هو مسن الغد.

إن رعاية المسنين مسؤولية أسرية في المقام الأول، كما أنها قيمة مجتمعية يجب الحفاظ عليها والتوعية بها، وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها، بتضمين مناهجها سبل رعاية المسنين.

كما ينبغي لوسائل الإعلام أن تقوم بدورها في تكريس قيم احترامهم، والتوعية بأفضل السبل للتعامل معهم من الناحية الفسيولوجية والنفسية، لرفع الوعي المؤسسي والمجتمعي حول أهمية استثمار طاقات المسنين بما يعود بالفائدة على وطننا اجتماعياً واقتصادياً.

إضافة إلى نشر ثقافة الشيخوخة النشطة ودورها في تحسين جودة حياة المسنين، كما أنه حق أصيل لمن أفنوا حياتهم وتخطوا الصعاب وتحملوا قسوة الحياة في أيام خلت لتنعم الأجيال الجديدة بما هي فيه من رغد العيش، فشيبة اليوم هم شباب الأمس.