بدأت الدعوات في العراق لإجراء مفاوضات مبكرة لإعادة تشكيل وتفعيل التحالف الوطني، ونتائج الانتخابات لمّا تظهر بشكل رسمي بعد. فقد سارع قياديون في ائتلاف المواطن والتيار الصدري، إلى الدعوة لذلك مع التأكيد على أن منصب رئيس الوزراء سيكون حصريا من حصة هذا التحالف، في الوقت الذي أعلن فيه التحالف الكردستاني أن منصب رئاسة الجمهورية هو من حصة الكرد.
والحقيقة أن هذه الدعوات لا يمكن وصفها سوى بكونها مقلقة، لا تشجع على التفاؤل بمستقبل العملية السياسية في العراق. فالقيادات هذه لم تضع نصب أعينها تجربة الفشل ومن المسؤول عنها على مدى السنوات الثماني الماضية.
فإعادة سيناريو عام 2010 بوجوه جديدة وفق الثوابت والمعايير نفسها، ليست هي المخرج السليم للعراق من النفق المظلم الذي وضعته نخبه السياسية فيه، لأن المشكلة لا تتعلق بالأشخاص بل بالخيار الخاطئ في رسم معالم العملية السياسية، وهو الاصطفافات العرقية والطائفية، وتجيير هذا المنصب أو ذاك لصالح هذا التحالف أو ذاك.
مقابل ذلك تجرى نقاشات ولقاءات يقودها ائتلاف متحدون، بين قوى سياسية سنية حصلت على مقاعد في الانتخابات النيابية الأخيرة، مع شخصيات دينية بغية الخروج بصيغة للاتفاق على تحالف جديد ليكون بموازاة التحالفين الوطني والكردستاني، لخلق حالة من التوازن على المسرح السياسي حسب ما يدعي عرابو هذا التحالف، وهي محاولة لإحياء جبهة التوافق السنية التي خاضت انتخابات 2006.
لم تبن التحالفات في العراق على أسس أيديولوجية، أو وفق تقارب في البرامج السياسية، أو لمواجهة حالة طارئة لتخطي تبعاتها، بل هي مجرد اصطفافات على أسس طائفية أو قومية، تتوجس حذرا وخيفة من بعضها، لتحقيق مكاسب ليست الطموحات الشخصية، وربما غير المشروعة، بعيدة عنها. ولم يكن بناء هذه التحالفات خيارا للمواطن قدر ما كان خيار النخب السياسية المستفيدة من ذلك..
والتي لم يستطع المواطن التخلص من حبائلها. وأيا كان غرض هذا الاصطفاف، فإن داخل كل تحالف هناك من التناقضات الطبقية والاجتماعية والأيديولوجية ما يكفي لانهياره، خاصة أن الكتل السياسية التي انضوت تحت رايات هذه التحالفات، قد ألحقت الكثير من الأضرار بمصداقيتها أمام جمهورها الذي أصابه الإحباط من بؤس الأداء وحصيلة الحصاد.
وإذا عدنا إلى انتخابات 2006، حين خاضت جبهة التوافق الانتخابات على أسس طائفية سنية وحصدت فيها بضع عشرات من المقاعد، إلا أنها سرعان ما تفككت تحت ضغوط التناقضات التي عصفت بها ولم تطرح نفسها في انتخابات 2010، بل تفرقت مكوناتها إلى كتل ذات أجندة مدنية.
وليست دينية مذهبية، انضوى معظمها تحت راية القائمة العراقية. كما أن التحالف الوطني قد تشظى هو الآخر، ولم يوحد مواقفه لترشيح رئيس للوزراء بعد تلك الانتخابات، إلا حين تعرض بعض مكوناته لضغوط إقليمية شديدة أجبرته على العودة للاصطفاف طائفيا.
إن تفكك التحالفات التي بنيت على أسس الاصطفافات العرقية والطائفية، هو القاعدة المنطقية التي تفرضها جدلية الحياة، وحاجة المؤسسات للخروج من هذه الأطر الضيقة المعيقة لفضاءات الحرية والتطور، وحاجة المواطن لضمان أمنه. فلماذا يراد العمل عكس ذلك، إذا كان الكل يدعي في البرنامج الذي يقدمه وفي التصريحات التي يدلي بها، أنه ضد الاصطفافات الطائفية؟
إن تشكيل التحالف العراقي الجديد بدعوى ضخ دماء شابة ليس خطوة موفقة، لأنها إعادة لصناعة أدوات التفرقة والتشرذم وإضفاء شرعية على مبدأ المحاصصة، وهي خطوة ينقصها النضج السياسي.
كما أن الإصرار على التمسك بالتحالفات، رغم السجل الطويل الحافل بالإخفاقات والفشل التي ترتبت على التمسك بها، أمر على درجة كبيرة من الخطورة، فهو يفتقد الموضوعية في النظر إلى قيمة التجارب التي أضرت بمصالح الوطن، ويعبر عن إصرار على تمتين جدران الفرقة بين أبناء الشعب الواحد.
ليس من الموضوعية أن لا نتطرق إلى ما يعتري العراق من ضعف كبير، بمعزل عن التطرق إلى الأطر السياسية التي عششت في ظلالها هذه السلبيات التي يراد إعادة تكريس العمل بها. يعيش العراق حالة مرضية تفككية، ويشهد تراجعا كبيرا في دلالات الهوية الوطنية، وهي حالة ينبغي أن لا يقتصر النظر إليها ودراستها من منظور كونها ظاهرة عراقية، قدر ما هي ظاهرة وثيقة الارتباط برؤى واستراتيجيات إقليمية ودولية.
وفي ضوء النشاط المحموم الذي تبديه النخب السياسية العراقية لإعادة إحياء التحالفات، يبدو أنها ليست بصدد معالجة هذه الحالة المرضية والفكاك من الفخ الذي أوقعت نفسها في أحابيله، بل بصدد الاستفادة من أعراضها وتحويلها إلى حالة مزمنة تخدم أغراضا تتفق مع المصالح الاستراتيجية لبعض الدول الإقليمية، ولا تجني منها هذه النخب سوى الفتات. إن قمة الفشل هو الفشل في الاستفادة من التجربة، فهل ستذهب تجربة ثماني سنوات هباء؟