الخبراء والمستشارون الماليون يسمونها «الثقافة الغائبة»، أما نحن أصحاب نظرية «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» فنطلق عليها أوصافاً كثيرة، ليس من بينها ما ينم عن معرفتنا بهذه الثقافة، أو الاعتراف بالجهل والتقصير، إلا حين نضطر للجوء إلى هؤلاء الخبراء والاستشاريين، بعد أن نجد أنفسنا نسير في نفق مظلم، وقد ضاقت بنا الحلول إلا حلاً واحداً، هو الاقتراض، ثم الاقتراض، ثم الاقتراض.
إنها ثقافة الإدارة المالية التي كانت محور «ملتقى الشباب السادس»، الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، يوم الاثنين الماضي، في إمارة رأس الخيمة، ودعت له مجموعة من طلبة وطالبات الثانوية العامة، جاؤوا من 14 مدرسة من أنحاء مختلفة في الإمارات. تفاعلوا مع الجلسات وورش العمل التي أقيمت خلال الملتقى، وخرجوا منه بما يدفعهم إلى البحث عن هذه الثقافة، والاستزادة منها.
أسئلة كثيرة قام الخبراء والمستشارون الماليون بطرحها والإجابة عنها في الملتقى، الذي كان عنوانه «التمكين المالي للشباب»، واضعين أمام الحضور الحقائق والأرقام التي تدعم أقوالهم، وتجعل الكبار منهم يفكرون في وضع أبنائهم على الطريق الصحيح، خصوصاً أولئك الذين فاتتهم الفرصة، فلم يلحقوا بالقطار في الوقت المناسب.
واستطاع الخبراء والمستشارون الماليون، الذين قدموا الأوراق، وأداروا ورش العمل، أن يوائموا بين مستوى الطلبة والطالبات المشاركين في الملتقى، والمعلومات والأرقام التي كانت محور الأوراق وورش العمل.
الأرقام والإحصاءات التي قدمها المحاضرون خلال الملتقى كانت صادمة، تعكس واقعاً في مجتمعنا يجب تغييره، ففي ورقة «محو الأمية المالية» على سبيل المثال، جاء أن 70% من شباب الإمارات محاصرون بالديون لأنهم يفتقرون إلى التخطيط المالي السليم، وتسيطر عليهم الرغبة في الحصول على الكماليات، وقد شكلت القروض الشخصية 23% من الديون، واحتلت القروض المصرفية 38% منها، بينما احتلت بطاقات الائتمان 32% من الديون.
ومن بين كل 100 درهم ينفقها الشاب الإماراتي، تذهب 40 درهماً على الملابس، وما يقرب من 35 درهماً على الهواتف النقالة.
وجاء في عادات الإنفاق في دولة الإمارات، أن ما بين 70-80% من ديون الإماراتيين تنفق على الكماليات بدلاً من الاحتياجات الأساسية، وأن من أولويات الشراء لدى الإماراتيين، التي كانت من بين أعلى فئات الإنفاق، المطاعم والمتعة والأملاك والأزياء والزينة، وأن 25% فقط من الإماراتيين يدخرون المال بشكل منتظم!
هذه الأرقام والنسب تعني أن ثقافة الإدارة المالية لدينا غائبة فعلاً، وأن الإنفاق لدينا بحاجة إلى ترشيد. يتضح هذا من سلوكاتنا اليومية، فحين يدخل الواحد منا إلى السوبرماركت أو الجمعية التعاونية لشراء خمس سلع، ويخرج بثلاثين سلعة، فهذا يعني أن هذه الثقافة غائبة، وحين يكون دخل الواحد منا عشرين ألف درهم شهرياً ويصرف ثلاثين ألفاً، فهذا يعني أن التخطيط المالي لدينا غائب.
هذا ما يقوله الخبراء والمستشارون الماليون، الذين يحذرون من عواقب انعدام الثقافة المالية، بعد أن أثبتت الدراسات أن انعدام هذه الثقافة مسؤول عن 45% من حالات الطلاق، كما يحذرون من عواقب البطاقات الائتمانية التي تغري بها البنوك عملاءها، وعلى وجه الخصوص الموظفين الجدد.
حيث ينصح الخبراء الشباب بعدم أخذ البطاقة الائتمانية خلال العامين الأولين من العمل، خصوصاً إذا علمنا أن عدد البطاقات الائتمانية التي يملكها عملاء في بنوك الدولة بلغ 80 مليون بطاقة، بإجمالي صرف بلغ 11 مليار درهم! الأمر الذي يشكل ضغطا على العميل، إذ من المفترض ألا يزيد مجمل الديون على 35% من الراتب.
هل نعاني من أمية مالية؟ الجواب: بالتأكيد نعم. لذلك نحتاج إلى محو أميتنا، ومحو هذه الأمية يجب أن يبدأ من المدرسة، لهذا يؤكد الخبراء والاستشاريون الماليون أهمية إدخال مادة «التربية المالية» في المناهج الدراسية، مثلما هو حاصل في البلدان الغربية، كي لا يقع الشباب وهم يبدأون حياتهم العملية، في فخ البنوك والشركات القائمة على جذب مدخراتهم واستنزاف جيوبهم.
وهو ما يتفق معهم فيه أصحاب الاختصاص من أهل التعليم، حيث يؤيد 95% منهم تعليم الطلبة والطالبات المهارات الأساسية لإدارة المال، ويعترف 73% من المعلمين بأن المدارس لا تعلّم المساقات المالية الأساسية في المناهج الدراسية.
«لا تدّخر ما يتبقى بعد الإنفاق، بل أنفق ما يتبقى بعد الادخار»، هكذا ينصحنا الخبراء، قائلين «إنك إذا كنت تشتري ما لا تحتاج إليه الآن، فسيأتي عليك الوقت الذي تضطر فيه لبيع ما تحتاجه». نصائح غالية، نعتقد أننا نحتاج إليها نحن الكبار أكثر من الصغار، في مجتمعنا الذي تغلب عليه ثقافة الاستهلاك، وتغيب عنه ثقافة الادخار.
وإذا كان المجربون قبلنا يقولون إن من لم يكوّن نفسه قبل سن الأربعين من الصعب أن يكوّنها بعدها، فإن الفرصة ما زالت سانحة أمام هؤلاء الشباب، وغيرهم ممن يخططون لأنفسهم متطلعين إلى المستقبل بأمل وتفاؤل، أن يستفيدوا من الدروس التي يتلقونها من هؤلاء الخبراء والمستشارين الماليين، وألا يعتقدوا أن الوقت ما زال مبكراً لتطبيقها، فقد قالها كثيرون قبلهم، وندموا حيث لا ينفع الندم.
شكراً لإدارة التنمية المجتمعية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع التي نظمت الملتقى وأدارته بشكل رائع، شكرا للخبراء والاستشاريين الماليين الذين قدموا خلاصة علمهم وخبرتهم لأبنائهم، شكراً للطلبة والطالبات الذين حضروا وشاركوا وأصغوا، ونتمنى أن يطبقوا.