ها قد طوى العراقيون الأربعاء الماضي، على وقع التفجيرات، صفحة أخرى من تاريخ بلدهم المخضب بالدماء، للتطلع ببعض الأمل إلى صفحة جديدة لم يكتب فيها شيء بعد، فحروف كتابتها لا تزال كامنة في صناديق الاقتراع، وإخراجها كما وضعها الناخبون أو كما يريدها آخرون، يتوقف على مدى نزاهة أو مدى رهافة الأيادي التي ستفرز محتويات هذه الصناديق، قبل نقلها إلى مراكز صنع القرارات داخل الصالونات المغلقة، التي تدور فيها الحوارات وتبرم خلالها الصفقات.

شهدت الحملات الانتخابية كثرة في عدد من طرح نفسه مرشحاً سياسياً، واكتظاظاً بوجوه ليس لها تاريخ سياسي يعرفه الناخب، وشهدت فيضاً من الوعود والتصريحات، مقابل قلة وفقر في الرؤى المطروحة. فقد أجازت مفوضية الانتخابات 276 كياناً سياسياً، توزعت في عدد من الائتلافات...

وكان الشعار الأكثر رواجاً وترديداً على ألسنة المرشحين ورؤساء الكتل السياسية هو شعار «التغيير»، مع أن أغلب الوجوه التي تطل بقوة على المشهد الانتخابي وتتحدث عن التغيير، قد خبرها العراقيون على مدى ثماني سنوات بأنها أبرز العوائق أمام التغيير.

لا أحد يعترض على شعار «التغيير»، الذي يعني التخلص من الواقع الفاسد بشخوصه وبنهجه السياسي.. التغيير يعني إعادة الاعتبار للعراق، ليقف على قدميه دولة ذات سيادة لا يجرؤ أحد على النيل منها أو التدخل في شؤونها..

وهذا لن يتم إلا من خلال برنامج وطني جاد، لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية تعتمد مبدأ المواطنة، وإجراء التعديلات الضرورية في الدستور، وإعادة هيكلة الاقتصاد، واتخاذ الإجراءات للحفاظ على ثروات العراق من الضياع، واسترجاع ما نهب منها، من خلال القنوات القانونية المعتمدة دولياً.

العملية الانتخابية شابها الكثير من الخروقات والممارسات البعيدة عن روح وثقافة الديمقراطية، نذكر منها انعدام الفرص المتكافئة أمام المرشحين، بسبب التباين في القدرات على الإنفاق على الحملات الانتخابية، واستخدام المال العام واستغلال المركز الوظيفي لصالح بعض المرشحين، وتقديم الرشاوى وشراء أصوات الناخبين، وتوظيف الرموز الطائفية.

كما شهدت عمليات تشويش و«تسقيط» لبعض المرشحين، واجتثاث آخرين ممن يتمتعون برصيد شعبي مميز، وشهدت تأثيرات وتدخلات إقليمية ظاهرة وخفية. ولكن رغم كل ذلك، على الناخب أن يتقبل ما ستقرره نتائج الاقتراع، إذ لا بديل لذلك، خاصة أن المحاولات لصنع ربيع عراقي في فبراير 2011 لم يكتب لها النجاح.

وكما هو معلوم، لم تتقدم الكتل الكبيرة لخوض الانتخابات بثقلها، بل جزأت نفسها، أو بالأحرى تجزأت للاستفادة مما يتيحه نظام «سانت ليغو» المعتمد في الانتخابات، من فرص أفضل حين تكون الكتلة صغيرة الحجم، على أمل الاندماج من جديد بعد ظهور النتائج، لتفرض هذه الكتل نفسها حسب حجمها الذي قرره الاقتراع.

لم تستطع كتلة واحدة أن تفرض نفسها في مناسبتين انتخابيتين سابقتين عامي 2006 و2010، والمتوقع أن الصورة لن تتغير الآن، إذ من المستبعد أن تتمكن كتلة واحدة من تحقيق الأغلبية، ولذلك سنشهد قيام تحالفات بين كتلتين أو أكثر للاندماج وتحقيق الأغلبية، كما حدث في انتخابات 2010. لكن هناك خشية حقيقية من أن يتم اعتماد المبادئ نفسها في الاندماج، وهي تحقيق المصالح للكتلة أو لقياداتها من غير النظر في تقارب البرامج السياسية، ما أفسح المجال وشرع الأبواب لفوضى سياسية أصبحت غطاء لشتى أنواع الفساد.

اتسم المناخ السياسي الذي سبق الانتخابات، بمحاولات لتهيئة الأجواء لقبول مبدأ استبعاد حكومة الشراكة الوطنية، لصالح حكومة أغلبية سياسية، وهو ما دأب رئيس الوزراء نوري المالكي على طرحه والترويج له في الآونة الأخيرة.

رئيس الوزراء رغم أنه يمسك بقوة بتلابيب العملية السياسية منذ ثماني سنوات، موظفاً استراتيجية «ما ننطيها»، أي لن نترك السلطة لغيرنا، خاض الانتخابات على أرضية رخوة، بسبب الفشل في بناء الدولة على أسس عصرية، لعدم وجود برنامج ونوايا لذلك، وبعد أن تفاقمت أزمات العراق محلياً وتراجع دوره إقليمياً.

فقد أدخلته سياساته الإقصائية الانفعالية في خصومات كبيرة مع أطراف سنية ومع الكرد، بل ومع حلفاء أقوياء في التحالف الوطني الذي ينتمي إليه، ما دفع بالأوضاع الأمنية نحو المزيد من التردي، حيث ترك ذلك تأثيراته على نمط تعامل الدول مع المواطنين العراقين، فقد أصبح جواز السفر العراقي ثاني أسوأ جواز سفر على مستوى العالم بعد الجواز الأفغاني، وفق دليل «Henley & Partners» للقيود الموضوعة على التأشيرات لعام 2013.

في ضوء ذلك تبدو فرص المالكي ليست واعدة للاستمرار في البقاء على المسرح السياسي، ومن المستبعد جداً أن يتمكن من استقطاب كتل أخرى تلتف حوله لتحقيق هدفه في تشكيل حكومة أغلبية سياسية، وقد لا يتمكن من الحصول على أكثر مما ستحصل عليه كتلة دولة القانون التي يتزعمها. بل إن فرصة خصومه في التحالف الوطني هي الأوفر لتكوين كتلة نيابية كبيرة مع كتل من خارج التحالف الوطني...

كما فعلوا في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت العام الماضي، والتي استبعدوا فيها كتلة دولة القانون من رئاسة عدد من المجالس المحلية من ضمنها العاصمة بغداد.

ولكن هذا المسار قد لا يكون سالكاً كما كان الحال في انتخابات مجالس المحافظات، لأن المجلس النيابي الذي ينبثق عنه مجلس رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، أكثر أهمية بكثير من المجالس المحلية. فالقوى السياسية المنضوية في التحالف الوطني، مدعومة بنفوذ إقليمي قوي، ترى أن من الثوابت في رؤاها السياسية عودة قوى هذا التحالف المشتتة بعد ظهور النتائج، لإعادة اللحمة وتكوين الكتلة الأكبر لتكريس دورها القيادي للعملية السياسية، وعدم السماح لآخرين بالمشاركة في صناعة القرارات الاستراتيجية.

هذا الموقف لا يتفق مع الدعوة إلى التغيير، ولا يسهم في بناء الدولة، بل يمهد الطريق نحو تعزيز الدعوات إلى إنشاء الأقاليم كخطوة نحو التقسيم، لأن الإصرار على بقاء الخنادق الطائفية وتعزيز جدرانها، لا يبني دولة المواطنة. وفي انتظار ظهور النتائج، يبقى التساؤل عمن سيمسك الصولجان؟