يبدو أن الباحثة الأكاديمية "جوان سيمور" كانت متفائلة، ولو إلى حد ما، وهي تعد لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة "باث" البريطانية، عندما جعلت موضوع رسالتها المواطنين الإماراتيين الذين يتعلمون اللغة العربية الفصحى في المدارس..

حيث لم تكن تتصور أن الأمور على هذه الدرجة من السوء حين قررت أن يكون هذا موضوع رسالتها، بعد أن سمعت عن واقع التعامل مع هذه اللغة في بيوت الإماراتيين والمغتربين العرب الذين يعيشون في الإمارات. ولكن يبدو أنها صُدِمت عندما رأت عائلة يتحدث الأبوان فيها مع أبنائهم باللغة الإنجليزية، بدعوى إعطائهم جرعة قوية من هذه اللغة، في حين كانت المربية الفلبينية تتحدث مع هؤلاء الأبناء باللغة العربية!

لم تكن هذه الصدمة الوحيدة التي تلقتها الباحثة البريطانية التي تتحدث العربية بطلاقة، وفقاً لما ذكرته لصحيفة "ذا ناشيونال" الأسبوع الماضي، فقد وجدت عرباً كثيرين يطلبون منها المساعدة في اللغة العربية. وهي تعزو هذا إلى أن بعض هؤلاء قد تلقى تعليمه في مدارس خاصة، وأن بعضهم قد ذهب للدراسة في الخارج، في حين أراد آخرون تأسيس أبنائهم في اللغة الإنجليزية بشكل أفضل مما كانوا هم عليه في هذه اللغة.

"لا يمكننا الاعتماد على المدارس فقط في تعليم اللغة العربية، لأنه يجب أن تكون هذه مسؤولية الآباء والمعلمين ووسائل الإعلام والمعلنين. أنا أكره أن أرى لوحات إرشادية أو إعلانات ليست باللغة العربية، أو دون ترجمة عربية". هكذا تقول "جوان سيمور" البريطانية، فماذا نقول نحن العرب الذين نفضل أن نتحدث مع أبنائنا باللغة الإنجليزية، ونفضل أن يكون تعليمهم باللغة الإنجليزية..

ونفضل أن تكون مراسلاتنا ومعاملاتنا في الشركات والبنوك والجامعات، وحتى الدوائر الحكومية، باللغة الإنجليزية، ونفضل.. ونفضل.. ونفضل... إلى آخر القائمة التي تطول، والتي نعرفها جميعاً، والتي مللنا من تكرارها، وذرفنا من الدموع عليها أكثر مما ذرفت الخنساء على أخيها صخر، وأكثر مما أنشدت فيه من المراثي، قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟

أعرف أنه ليس ثمة جديد في هذا على الإطلاق، وأعرف أنه كلام معاد ومكرر، قلناه وكتبناه قبل هذا اليوم، ونقوله ونكتبه اليوم، وسنقوله ونكتبه بعد هذا اليوم، دون أن يطرأ على الأمر ما يغير الحال. لا أقول هذا من باب بث اليأس وسد كل الطرق أمام إخوتنا وأصدقائنا حماة اللغة العربية، وإنما أقوله من باب الاعتراف بالواقع، وعدم دفن الرؤوس في الرمال والتغاضي عن الحقيقة. لكن الجديد هذه المرة أن لغتنا الفصحى ليست وحدها هي المهددة، وإنما غدت لهجتنا المحلية هي الأخرى مهددة، وهي التي كنا نخشى منها على فصحانا قبل سنوات وندعو إلى الحد منها، فإذا بها هي أيضاً تلحق بمنبع النهر الذي جاءت منه.

هذا التهديد ربما لم يكن هو الدافع الأول الذي جعل "حنان الفردان" تؤسس قبل ثلاث سنوات معهد "الرمسة"، المتخصص في تدريس اللهجة الإماراتية للأجانب في دبي، بدعم وتشجيع من غرفة تجارة وصناعة دبي. فقد كان هذا المشروع الأول من نوعه يهدف، حين تأسيسه، إلى مد جسور التواصل بين الجاليات غير العربية المقيمة في الإمارات والمجتمع الإماراتي، من خلال تعليمهم اللهجة المحلية والثقافة الإماراتية..

لذلك صممت المناهج التعليمية من قبل معلمين إماراتيين، كما أعد أول معجم إماراتي مترجم إلى اللغة الإنجليزية يحتوي على 1500 كلمة إماراتية، لمساعدة الأجانب على معرفة المفردات الإماراتية المستخدمة في الحياة اليومية، وفقاً لما تقوله مؤسسة معهد "الرمسة" لتعليم اللهجة المحلية.

هكذا كانت الفكرة قبل ثلاث سنوات، أما اليوم فإن معهد "الرمسة" يلقى إقبالاً متزايداً من قبل المواطنين الإماراتيين، إلى الدرجة التي فاجأت حنان الفردان نفسها، التي تقول إن هؤلاء المواطنين يأتون إلى المعهد لأنهم يشعرون بالخجل لعدم معرفتهم بلهجتهم المحلية، فمرتادو المعهد شباب في العشرينات من العمر، وهم يعملون في وظائف تتطلب أن يكونوا ثنائيي اللغة، مثل الدوائر الحكومية..

حيث يحتاجون إبراز هويتهم الإماراتية من خلال إجادة اللهجة المحلية. وتؤكد الفردان أن هناك طلباً على تعلم اللهجة المحلية، لأنها أصبحت ميتة، فالأطفال يتكلمون اللغة الإنجليزية بسبب المدارس ووسائل الإعلام هنا، وهم يعبِّرون عن أنفسهم بشكل أفضل، في بعض الأحيان، باللغة الإنجليزية.

انتهى كلام عاشقة اللغة العربية الباحثة البريطانية جوان سيمور، كما انتهى كلام حارسة "الرمسة" الإماراتية حنان الفردان، لكن الكلام عن اللغة العربية لم ينته، فالخوف الذي كان قبل سنوات على اللغة الفصحى من اللهجة المحلية، تحول اليوم إلى خوف على اللهجة المحلية نفسها من الاندثار..

وهو خوف لم يعد افتراضياً، بل حقيقياً له على أرض الواقع ما يبرره، والدليل أننا لو سألنا أبناءنا عن بعض المفردات المحلية التي كان آباؤنا يستخدمونها في حياتهم اليومية قبل سنوات قليلة، لوجدناهم يجهلونها، بل ويضطروننا إلى ترجمتها لهم إلى اللغة الإنجليزية ليفهموا معناها.

وهذا بالضبط ما قامت بعمله حنان الفردان وزملاؤها في معهد "الرمسة"، في محاولة نتمنى أن يكتب لها النجاح للحفاظ على لهجتنا المحلية، فربما كانت هي حائط الصد الأخير للمحافظة على لغتنا الأم التي تتعرض للعقوق والنكران منا كل يوم، في الوقت الذي تصدح فيه أصوات عشاق هذه اللغة بالأذان في مالطا، حيث لا من يسمع الأذان، وإن سمعه لم يفهمه ولن يقوم إلى الصلاة بعده.