يبدو أن المفاوض الإسرائيلي قد كسب الرهان على الوقت، حين استهلك شهور الجولة التفاوضية الأخيرة من دون التخلي عن شيء من رؤيته لأفق التسوية الفلسطينية، فلا هو جمد سياسة الاستيطان عموماً، ولا أوقف عمليات التهويد في القدس، ولا اعترف بحدود 1967، ولا أبدى أي تعاطف مع حق العودة الفلسطيني.
وهكذا فإنه باستثناء الإفراج عن أقل من مائة معتقل فلسطيني، وهو إجراء تكتيكي لا ضرر من ورائه، بقيت الثوابت الإسرائيلية الاستراتيجية تجاه التسوية تراوح محلك سر.
وبأكثر التعبيرات والأحكام تهذيباً، يصح القول إن المحصلة النهائية لهذه الجولة، لم تكن مربحة ولا مريحة للجانب الفلسطيني. فقد جرى فيها إهدار وقت وجهد بلا طائل حقيقي، على صعيد الاقتراب أكثر من حلم التحرر الوطني في الدولة المأمولة، التي تم تعميدها سياسياً وحقوقياً في أعلى المقامات الإقليمية والدولية.
هذه الحقائق ونحوها، قد تكون معلومة للكثيرين لعلانيتها ووقوعها تحت الأضواء وسهولة متابعتها عن كثب، غير أن للمكاسب الإسرائيلية والخسائر الفلسطينية توابع أخرى أكثر عمقاً وشمولية.
فنحن نزعم أن إسرائيل تغتنم واجهة التفاوض لشن حرب ضروس على تطور الكيان الدولتي للفلسطينيين، والسعي الحثيث لعرقلة مقوماته الميدانية في الضفة وغزة والقدس، بما يجعل لاءاتها ضد تقعيد هذا الكيان على الورق وفي قاعات التفاوض، أمراً مفعولاً في الواقع المنظور على كل الصعد.
تعزيزاً لهذا الزعم، نلفت الانتباه إلى استهداف إسرائيل لكل المعطيات والحقائق التي من شأنها منح الفلسطينيين سمة الدولة ومعالمها. وتندرج في طليعة أدوات هذا الاستهداف، العمليات الرامية لوقف نمو ومنع تبلور طائفة واسعة جداً من البنى والمؤسسات والأطر الاجتماعية والاقتصادية.
بكلام آخر، يبذل الإسرائيليون جهدهم لتقويض أو تحطيم البنى التحتية المجتمعية الدالة على استحقاق الدولة، سواء قامت هذه البنى على مبادرات فلسطينية ذاتية أم نهضت بمساعدة آخرين. والفكرة الأم وراء هذا العمل الهدام، هي إثبات عدم جدارة الفلسطينيين بمفهوم الدولة، حتى وإن شكلوا شعباً.
وهذا يفسر اضطلاع بعض الفقهاء الصهاينة، بالترويج للاعتقاد بأنه لا تطابق في عالمنا المعاصر بين عدد الشعوب وعدد الدول، وأنه لو كان نشوء الدول مشروطاً بوجود الملل والنحل والطوائف و"الشعوب"، لأصبحنا في عالم يزدحم بآلاف الدول.
وكي يؤكد هؤلاء المرجفون صحة اعتقادهم بالنسبة للحالة الفلسطينية، فإنهم يعمدون إلى ملاحقة أبعادها ومفرداتها وأنساقها وأطرها التنظيمية، عاملين على إفسادها.
ولا يقل استشعارهم لخطر ما يعرف بالمقاومة الشعبية أو المدنية الفلسطينية، وجوهرها تقوية هذه الأطر والأنساق، عن استشعارهم لأخطار المقاومة المسلحة. فهم يدركون أن الشعب الموحد المنظم المنضبط الكادح المتعلم صحيح البدن؛ الذي يضيف إلى الحضارة الإنسانية ولا يخصم منها، ويغار على السلم والأمن إقليمياً ودولياً، جدير بقوام الدولة المستقلة ذات السيادة.
ليس بلا مغزى في مضمار هذا الفهم الصهيوني الخبيث، الإصرار على استمرار إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بنظيره الإسرائيلي، وتعزيز مفهوم تحويل المناضلين والثوار الفلسطينيين إلى مجرد موظفين؛ يعيشون على حافة الكفاف وينتظرون رواتبهم بفارغ الصبر آخر كل شهر، علاوة على جعل قطاعات الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والسكن وأطر مقاومة الفقر والبطالة، في أدنى طاقاتها على العطاء، أو في حالة من الإعاقة الدائمة.
عموماً، يتصور الإسرائيليون أن كل إضافة تنموية بناءة لهذه القطاعات، ونحوها مما يمس أعصاب الحياة اليومية للفلسطينيين، تتعارض وتوجههم الأفعواني، وتمنح السياسة الفلسطينية صكوكاً واجبة الأداء على طريق الدولة. وهم في سعيهم هذا، لا يستثنون محاولات منع وإفشال العطايا التي تقدمها أطراف أخرى للفلسطينيين، بما في ذلك القوى وثيقة الصلة بإسرائيل ذاتها.
تدل على هذا التبجح، العراقيل التي تضعها الحكومة الإسرائيلية في وجه المساعدات الأوروبية لعشرات الآلاف من الفلسطينيين ومؤسساتهم تحت الاحتلال، وآخر نماذجها تحطيم عدد من بيوت الصفيح سابقة التجهيز؛ المقدمة من الاتحاد الأوروبي لبعض المتضررين من غضب الطبيعة في الشتاء الماضي بجوار القدس، هذا دون الحديث عن إيقاف عدد من المشاريع الأوروبية للتعاون مع قوى المجتمع المدني الفلسطيني، في حقول التعليم والإعلام وتنمية المهارات المهنية، وتشجيع المشروعات الإنتاجية الصغيرة.
لعل الإسرائيليين وهم يقومون بهذه الأفاعيل، يستذكرون تجربتهم الذاتية في البناء، التي انتهت بأن كان إعلان كيانهم السياسي عام 1948، مجرد عملية رفع للستار عن دولة جرى إعداد هياكلها ومؤسساتها بالفعل على مدار الخمسين عاماً السابقة، وكان الإسناد الأوروبي العامل الجوهري في إنجاح تلك التجربة. ترى، هل يخشى الإسرائيليون من إطلال نسخة فلسطينية لهذه التجربة؟