إن الحديث عن البحث العلمي وأهميته ذو شجون لأنه يرتبط برقي الإنسان على سلم الرفاه في مختلف المجالات، كما أن البحث العلمي هو المقياس الذي تقدر به ثروة الأمم في زمن لم تعد تقاس فيه قوة الشعوب بتعدادها السكاني فحسب ولكن بالمهارات النوعية التي يمتلكها أبناؤها وما تنتجه عقولهم من أفكار مبدعة.
ورغم أن العلم لا وطن له ولا حدود تحده غير أن كما لكل مجتمع خصوصية في طبيعة التحديات التي تواجهه، وطبيعة المرحلة التي يمر بها، والتي تتطلب أن يكرس البحث العلمي للتعامل معها، وهو ما يعطي البحث العلمي صفة التوطين.
وهو أن تكون هناك أولويات للمشكلات التي يجب أن يهتم بها والتي تختلف من بيئة إلى أخرى. فقضية نقص الموارد المائية، رغم أنها قضية كونيه، يعاني منها العالم كله، إلا أنها في منطقتنا ينبغي إعطاؤها أولوية مضاعفة واعتبارها قضية محورية لنستكشف كيف يمكن التعامل معها؟
كما أن للبحث العلمي أخلاقيات تنطبع بطابع البيئة التي نشأ فيها وتتأطر ضمن منظومتها القيمية، وإلا أصبح نوعاً من العبث، وآية ذلك تلكم التجارب التي تجريها بعض المجتمعات في مجال الهندسة الوراثية والتي لا تقبلها الفطرة السليمة فضلاً عمن له خلق ودين.
توطين البحث في تقديري يعني أن يلتصق البحث العلمي بالقضايا المجتمعية القريبة من الناس ويتعامل معها بما ينعكس على تحسين جودة الحياة وحركة الناس، وهو من أهم الأسباب المؤدية إلى إشاعة الثقافة العلمية، ولن يشعر الناس بأهمية العلم والبحث فيه إذا ظل البحث العلمي يناقش قضايا لا تمس احتياجاتهم، وإذا ظلت نتائج البحوث العلمية قابعة في الأدراج المغلقة أو على أرفف المكتبات دون أن تتحول إلى واقع يشعر الناس به.
كما أن توطين البحث العلمي يعني توطين القائمين عليه؛ بمعنى تكوين قاعدة من الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات، فأهل مكة أدرى بشعابها، وتوفير سبل الرعاية لهم والعناية بهم على أن تزداد أعدادهم يوماً بعد يوم، وبهؤلاء يمكن أن تنطلق وتدوم مسيرة البحث العلمي.
من هنا تأتي أهمية ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خلال إطلاق سموه مركز الجليلة للبحوث الطبية، والذي يعتبر أول مركز مستقل على مستوى الدولة، من أن الوطن بحاجة إلى عقول وعطاءات أبنائه، وأنه من الأهمية بمكان تعزيز ثقافة البحوث والدراسات بجميع تخصصاتها.
كما أن تركيز المركز في دراساته وبحوثه على خمسة أمراض منتشرة في مجتمع الإمارات، وهي السكرى، والبدانة المفرطة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والأورام الخبيثة، والصحة الذهنية، هي الصورة الأجل والأوضح لتوطين البحث العلمي الذي يصب في الأخير في خدمة الإنسان والمجتمع والوطن.
إن هناك قاعدة ذهبية يستخدمها العاملون في مجال تسويق السلع التجارية وهي أنه "إذا أردت أن تنجح في تسويق سلعة فلا تتحدث عنها بلغة المميزات ولكن بلغة المنافع"؛ وذاك يعني كيف تفسر للآخر ما سيعود عليه من استخدامها دون الدخول في متاهات المميزات والإغراق فيها، وقد لا تعني المستخدم لها بشكل كبير.
وفي تقديري أننا بحاجة إلى استخدام المنطق نفسه، عند الحديث عن البحث العلمي، وهو عرض نتائجها المباشرة على تجويد حياة الناس في مختلف المجالات، لأن ما يحول دون إشاعة ثقافة البحث العلمي هو بعدها في أحايين كثيرة عما يعانيه الناس بشكل مباشر.
وكذلك اللغة الصعبة والموغلة في التخصص عند الحديث عنها، مما يخصم من رصيدها الجماهيري الكبير، إضافة إلى ندرة المتخصصين الذين يقدرون على تبسيط لغة العلم بطريقة قريبة من كل المستويات التعليمية.
على الجانب الآخر فإن عدد الجامعات في وطننا في تصاعد مستمر، ولا شك أن لذلك دلالة مهمة مرتبطة بارتفاع أعداد المنتسبين للتعليم الجامعي وزيادة الحاصلين على شهادات جامعية في مختلف التخصصات التي تحتاج إليها الدولة، كما أنها تؤكد قدرة الجامعة على مواكبة متطلبات سوق العمل ورفد المجتمع بكفاءات من أصحاب المهارات النوعية في مختلف التخصصات.
فضلاً على قدرة الجامعات الإماراتية على جذب طلاب العلم من مختلف الدول العربية وغير العربية، إلا أن زيادة عدد الجامعات لابد أن يصاحبها ويتوافق معها زيادة أعداد مراكزها البحثية، ولا ينبغي أن تهتم الجامعات بالعملية التعليمية.
وتغفل جانب البحث العلمي، حيث إن جانباً كبيراً من تقييم الجامعات على مستوى العالم يقاس على أساس منتوجاتها وإنجازاتها في مجال البحث العلمي، كما أن الأستاذ الجامعي هو باحث بالأساس وليس فقط معلم، وتقييم أبحاثة يتم بناءً على مستوى الدورية العلمية التي نشر فيها وعدد الباحثين الذين رجعوا إليه كمصدر علمي يمكن الاستفادة منه.
لذا كان من الأهمية بمكان التوجيه الاستراتيجي، الذي وضعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أمام المسؤولين في جامعة الإمارات، بوجوب التقدم عشرة مراكز كل عام في التصنيف العالمي، والذي لا يمكن تحقيقه دون الاهتمام ليس فقط بالبحث العلمي بل وسبل توظيفه في خدمة المجتمع.
لذا وجب أن يتم تقييم الدور المتوقع لأية جامعة جديدة، أو معهد علمي، أو كلية، في مجال البحث العلمي قبل الترخيص لها بمزاولة نشاطها، ومدى توافر بنية تحتية كافية وملائمة لنشاط البحث دون الاهتمام بالقاعات الدراسية وفقط، كما ينبغي للطالب خلال فترة دراسته التعود على ممارسة البحث العلمي حتى يصبح جزءاً من طريقة تفكيره وحياته العملية.
من ناحية أخرى يجب بناء جسور من التعاون بين المراكز البحثية المستقلة وبين الجامعات لتتكامل الجهود، وتعظم الفائدة، ويرشد العمل، وتعظم الاستفادة من الكفاءات العلمية في الجانبين، بما يعود على المجتمع بالخير الكثير بعيداً عن العمل بطريقة الجزر المنعزلة، وهو الدور المجتمعي الذي يجب أن تقوم به الجامعات.
إن وطننا الذي يحقق كل يوم نجاحات في كل المجلات، شهد بها القاصي والداني، ويضيف إلى رصيده الإقليمي والدولي رصيداً نوعياً، تلك ثروة كبيرة يجب علينا الحفاظ عليها وبذل الغالي والنفيس.. والضمانة الكبيرة لاستمرار الانطلاقة التنموية لوطننا هي إشاعة الثقافة العلمية فضلاً عن توطين البحث العلمي.