لم يخفِ الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مقابلة تلفزيونية عشية زيارته للمملكة العربية السعودية في 28 مارس المنصرم، قناعة إدارته بعدم جدوى التدخل العسكري الأميركي المحدود في الشأن السوري، حيث قال إن "الولايات المتحدة لم يكن بإمكانها منع الأزمة الإنسانية في سوريا باستخدام ضربات جوية"..
مشيراً بذلك إلى انكفاء إدارته عن تنفيذ وعيدها للنظام السوري، بأن استخدام الأسلحة الكيمياوية خط أحمر تترتب عليه إجراءات عقابية. وأضاف أوباما "إن الولايات المتحدة كانت ستواجه صعوبة في الالتزام بنشر جنود على الأرض في سوريا، وهو التزام كان يمكن أن يستمر ربما لعقد آخر"، وقال في نهاية حديثه "إن قدرات الولايات المتحدة العسكرية قد وصلت إلى أقصاها، بعد الحربين اللتين خاضتهما في أفغانستان وفي العراق".
لسنا بصدد مناقشة ما تطرق إليه الرئيس الأميركي، ولكننا نتناول باختصار ما ذكره من أن قدرات بلاده العسكرية قد وصلت إلى أقصاها بسبب حربيها في أفغانستان وفي العراق، وهما حربان صغيرتان مع دولتين في منتهى الضعف، لم تخضهما الولايات المتحدة في وقت واحد.
فقد سبق لصحيفة الواشنطن تايمز الأميركية أن نشرت في الخامس والعشرين من ديسمبر 2002، تصريحات لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بشأن قدرات الولايات المتحدة على خوض حربين في آن واحد، قال فيها "إننا قادرون على تحقيق نصر حاسم في الأولى، وإلحاق هزيمة سريعة في الحالة الثانية".
ما صرح به الرئيس الأميركي ليس غير رسالة تبريرية موجهة لحلفاء الولايات المتحدة، الذين أصيبوا بالإحباط من مواقف الانكفاء المتكررة التي تتخذها إدارته في منطقة الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه رسالة اعتذار لمن يهمه الأمر ويطمح للاتكاء على إرادة الولايات المتحدة وقدراتها في مواجهة الأزمة الأوكرانية المرشحة للتصعيد، ليس فقط على جبهة شبه جزيرة القرم التي أصبحت في حوزة روسيا، وإنما على حدود أوكرانيا الشرقية حيث تحشد روسيا، وفق المصادر المخابراتية الأميركية، ما يقرب من أربعين ألف جندي.
تصريح الرئيس الأميركي يأتي منسجماً مع سياسة إدارته وتنفيذاً للوعود التي قطعها في حملته الانتخابية، بإنهاء وجود القوات العسكرية الأميركية في ساحات قتالية خارج الأراضي الأميركية. ويأتي كذلك بسبب المتاعب التي لا يزال الاقتصاد الأميركي يعاني منها منذ الأزمة المالية عام 2008، التي أيقظت بكوابيسها المرعبة من استغرق في نوم عميق يداعبه حلم الانتصار النهائي لفلسفة الاقتصاد الحر.
والحقيقة أن هذه السياسة تترك مشهداً ضبابياً يغلفه الغموض، حول حقيقة نوايا الولايات المتحدة في المنطقة، والتي أصبحت موضع تساؤل وشكوك لدى أقرب حلفائها. فحين تتراجع عن الدور المتوقع أن تضطلع به، فإنها تترك فراغاً سياسياً وأمنياً يسبب خللاً في معادلات التوازنات القائمة، ليس لصالح قوة عظمى أخرى، إذ ليس لأحد غيرها القدرات على أخذ المبادرة لملء الفراغ الذي تتركه والحصول على مكاسب على حساب نفوذها، بل لصالح قوى إقليمية ربما تفسر هذا الانكفاء بمثابة ضوء أخضر لها لتعيد النظر في سياساتها وتسارع للاستفادة من هذه الفرصة.
وهذا ما يرحب به بعض هذه الدول التي عملت على مدى طويل لتهيئة نفسها للعب دور إقليمي أكبر، وتتحفظ عليه دول أخرى لا تمتلك القدرات لأن مواردها أو حجمها لا يسمحان بذلك، وهو ما يمكن رصده بكل وضوح في المسرح السياسي للشرق الأوسط.
والحقيقة أن ما يبدو انكفاءً في مواقف الإدارة الأميركية، تمكن قراءته من زاوية أخرى يبدو فيها بشكل مختلف، فقد أكد الرئيس أوباما أكثر من مرة في أكثر من محفل دولي، أنه "ليست هناك دولة واحدة، بغض النظر عن قوتها، تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها".
فهناك قناعة لدى الإدارة الأميركية بأن التوازنات القائمة في منطقة الشرق الأوسط، لم تعد مناسبة للاستمرار في وضع الاستراتيجيات في أطرها، وأن الوقت قد حان لإعادة النظر فيها، لأنها ليست الأفضل لضمان السلم والحفاظ على حالة الاستقرار فيها..
وهي كذلك ليست الأفضل للولايات المتحدة ومصالحها على الأمد البعيد. فإدارة الرئيس أوباما بسياسة الانكفاء هذه، تعيد حساباتها وتسعى لإعادة تأهيل الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً لمرحلة جديدة، تستطيع فيها ممارسة دورها القيادي بحيوية أكبر.
لكن، من جانب آخر، تترتب على هذه السياسة تداعيات أخرى سلبية تحصد نتائجها شعوب المنطقة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لردم بؤر احتكاكها في سيناريوهات معلنة، وربما أخرى غير معلنة، مع قوى إقليمية صاعدة معادية لها وتعمل، وفق ما هو معلن، على إعادة تأهيل هذه القوى لتصبح أدوات استقرار في النظام الدولي الذي ترعاه، فهي بذلك تفتح أكثر من باب لاندلاع بؤر الاحتكاكات بين دول المنطقة نفسها، وإذكاء سباق تسلح يجعل استقرار المنطقة أكثر هشاشة.
سياسة الانكفاء هذه لم يعتدها الراصدون للشؤون الدولية من دولة بحجم الولايات المتحدة، خاصة بعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة بلا منازع منذ نهاية الحرب الباردة، كما لم تلق هذه السياسة ترحيباً من قبل حلفائها وأصدقائها، لأنها قوبلت بتوجس وخيفة وانعكست تداعياتها عليهم بدرجات متفاوتة، حسب مستوى التحالف أو الصداقة، وربما يراها البعض منهم سياسة لا تتفق مع المسؤوليات الدولية، التي تترتب على من يشغل الموقع الذي تشغله الولايات المتحدة في العالم.
والحقيقة أن التوازن بين الربح والخسارة للولايات المتحدة نفسها جراء انتهاج هذه السياسة، أمر يختلف عليه الأميركيون أنفسهم، فمضار هذه السياسة ماثلة للعيان منذ الآن لدى البعض منهم، في حين أن فوائدها غير مضمونة. فقد أحدثت هذه السياسة حتى الآن شرخاً استراتيجياً بين الولايات المتحدة وبين أبرز حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، قد لا ترقى الجهود الدبلوماسية الحثيثة والزيارات حتى على مستوى الرئيس الأميركي نفسه، إلى أن تكون أكثر من مجرد جهود لتلطيف الأجواء مؤقتاً، وليس لإعادة الثقة.