رغم أن الأمر لم يكن مفاجئاً لأحد، فقد كانت ردود الفعل على إعلان المشير السيسي استقالته من موقعه كقائد لجيش مصر ووزير لدفاعها لكي يترشح للرئاسة صاخبة إلى حد كبير.

فالمؤيدون كانوا يخشون من أن يفضل الرجل البقاء في موقعه على رأس الجيش في وقت تحتاج فيه البلاد لقيادة حازمة تتمتع بالجماهيرية حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى منطقة الأمان. والمنافسون يدركون أن السيسي ليس كأي مرشح آخر وإن التنافس الشريف معه هو مهمة وطنية ترسخ لقيم الديمقراطية وتؤكد على أهداف الثورة.

أما المناهضون خاصة من الإخوان وحلفائهم من عصابات الإرهاب، فهم يفهمون جيداً أن ترشيح السيسي يؤكد فشل كل مخططاتهم منذ 30 يونيو، ويؤكد أن استئصال الإرهاب من أرض مصر هو أمر لا تهاون فيه ولا تنازل عنه.

المشهد عند إعلان السيسي استقالته من موقعه العسكري وترشحه للرئاسة كان يعطي صورة متكاملة للتحديات التي تواجهها مصر (وقد تحدث عنها السيسي في كلمته المتلفزة) بدءاً من ضرب الإرهاب واستعادة الأمن، إلى انقاذ الاقتصاد وبدء التعامل الجاد مع مشاكل الإسكان والصحة والتعليم والبطالة..

والمهمة بالطبع ليست سهلة لكن مصر تملك امكانيات انجازها اذا تحققت الشروط لذلك بدءاً من الرؤية الصحيحة والإرادة المستقلة، ووصولا إلى قيادة تعرف كيف تحقق الاصطفاف الوطني من أجل انجاز المهمة الصعبة وتحقيق الحلم غير المستحيل.

اليوم الذي اعلن فيه السيسي استقالته من موقعه العسكري واعتزامه الترشح للرئاسة كان غنياً بالدلالات المهمة : كان الرئيس عدلي منصور عائداً من قمة الكويت.

وجاء من المطار مباشرة إلى اللقاء بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة حيث اتخذت قرارات قبول استقالة السيسي وتعيين وزير الدفاع الجديد الفريق صدقي صبحي. كان الرئيس المصري وجهاً مشرفاً لمصر بعد الثورة في قمة الكويت.

 ترفع في خطابه عن الصغائر، وتحدث كرجل دولة حقيقي وفرض المقارنة بينه وبين المعزول مرسي وادائه الهزلي في قمة الدوحة الماضية. كانت قمة الكويت فرصة لكي تقول مصر إنها عائدة لأداء دورها العربي وتحمل مسؤولياتها القومية.

وكانت أيضاً فرصة لأن تدرك الأطراف التي خرجت عن الصف العربي وارتضت أن تكون أداة في يد المتآمرين على الأمة العربية كم هي معزولة، وكيف أنها لن تحصد -مهما فعلت أو انفقت- إلا السقوط هي وحلفاؤها من الإخوان وباقي الجماعات الإرهابية التي تعيث في الأرض العربية فساداً.

وتزرع في أرضها الفتنة لصالح أطراف لا تريد الخير للعرب، ولا تستهدف إلا تمزيق صفوفهم وتقسيم أوطانهم ومحاولة إدخالهم في حروب الطوائف.

الآن.. ومنذ تركه موقعه في قيادة الجيش، أصبح عبد الفتاح السيسي هو "المرشح المحتمل" لرئاسة الجمهورية، يشاركه في اللقب حتى الآن- حمدين صباحي. ومع فتح باب الترشح وبدء جمع التوكيلات سوف يتكشف اذا كان هناك مرشحون آخرون سواء لاكتساب الشهرة أو تسجيل المواقف.

وسوف يتكشف أيضاً إذا كان "الإخوان" وحلفاؤهم سيدفعون بمرشح يتخفون وراءه، أم سيخشون افتضاح حجمهم الطبيعي في الشارع. المنافسة بين السيسي وحمدين (رغم الظروف المواتية بالطبع للسيسي) هي منافسة مهمة ومطلوبة وضرورية من جهة لترسيخ التقاليد الديمقراطية ، ومن جهة أخرى لفرض "أجندة" تنحاز للعروبة وللعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني يتشارك المرشحان في الايمان بها ويضعانها في مقدمة أولويات العمل الوطني في المرحلة القادمة.

ويبقى أمام السيسي أمران مهمان لابد منهما في سباق الرئاسة الذي يتصدره: الأمر الأول يتعلق بالبرنامج الانتخابي الذي سيتم طرحه، والذي ينبغي أن يكون واضحاً في اختياراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة أنه تحدث كثيراً عن تضحيات مطلوبة للعبور من الأزمة الراهنة، بينما الغالبية العظمى من الشعب تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وهو ما يعني أن السياسات الاقتصادية القادمة لابد أن تضع العدالة الاجتماعية في مقدمة اهتمامها.

الأمر الثاني يتعلق بالفريق الذي سيتولى الحملة الانتخابية للرجل. فالمطلوب ليس فقط فريقاً قادراً على انجاز المهمة، ولكن أيضاً إشارات واضحة على الطريق الذي سيتم السير فيه والسياسات التي ستتبع. وإذا كان المفهوم أن عمرو موسى يقود فريق العمل من الناحية السياسية، فإن اختيار الوجوه الباقية سيكشف عن اختيارات السيسي في المستقبل.

والمهمة ليست سهلة، خاصة مع وجود الكثير من الوجوه التي تحاول الالتصاق بحملة السيسي رغم المردود السلبي لوجودها. ومع وجود تقاليد راسخة في محاولات الالتصاق بالسلطة (أي سلطة) لتحقيق المكاسب الشخصية.

ويبقى أيضاً ألا ينسى المرشحان الأساسيان (حتى الآن) أنهما شركاء ثورة يواجهان عدواً واحداً يضرب مصر بالإرهاب، ويرفض أن تكون، كما يريدها المصريون جميعاً، دولة حديثة ديمقراطية، تعتز بإرداتها المستقلة وبأن تكون، كما كانت دائماً، قلعة للعروبة والإسلام في صورتهما السامية البعيدة عن المتاجرين بالدين والكافرين بالعروبة والمعادين للاستقلال.