لكل عصر سماته العامة المميزة، التي تتحدد بالتوازنات العسكرية والسياسية عالمياً وإقليمياً، والتي تنبثق عنها وفي ضوء تأثيراتها في مصالح الدول، المواقف السياسية والصداقات والشراكات والعداءات والتوترات التي تتخذها أو تنخرط فيها مختلف دول العالم.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نشأ نظام عالمي جديد، وفق الميثاق الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة، تتحكم في صياغته ورسم ملامحه قوتان عظميان، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ضمن لعبة التوافق على المصالح التي كان مجلس الأمن الدولي مسرحاً لها طيلة ما يعرف بحقبة الحرب الباردة.
والآن، وبعد مرور ربع قرن على انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، بدأت تلوح في الأفق ومنذ سنوات، إرهاصات تصاعدت مؤخراً إلى ما يقرب من العودة إلى أجواء الحرب الباردة، في مقاربة قضيتين حظيتا ولا تزالان باهتمام دولي كبير، القضية السورية والقضية الأوكرانية، اللتان تزدادان تعقيداً مع إصرار روسيا على استخدام حق الفيتو ضد أي مشروع يتقدم به الغرب.
إن ذلك يتطلب التوقف ملياً لتقييم مدى قدرة روسيا على ممارسة دور فاعل وأساسي في رسم معالم السياسة الدولية المستقبلية، وما يترتب على ذلك من مواقف يتوقع اتخاذها من قبل الولايات المتحدة التي لم يعد في استراتيجياتها لمرحلة ما بعد حقبة الحرب الباردة، السماح بنشوء قوة عظمى تنافسها النفوذ في الساحة العالمية.
فمن خلال رصد الممارسات الروسية على الصعيدين الداخلي والدولي، منذ مجيء فلاديمير بوتن لسدة الحكم عام 2000، رئيساً للدولة، ثم رئيساً للوزراء، ثم عودته لرئاسة الدولة، هناك مسعى حثيث تقوم به روسيا لتكون بديلاً للاتحاد السوفييتي السابق، على مستوى التأثير في السياسات الدولية. فهل تمتلك روسيا حقاً القدرات التي تؤهلها لهذا الدور؟ أم أنها تجد في ميوعة وتراخي المواقف الأميركية في القضايا العالمية فرصة لتحقيق ذلك؟ أم أن هناك ثغرات في النظام العالمي تسمح لها بهذا الدور؟
في تقييم قضية هامة كهذه، هناك عوامل عديدة ذات طبيعة استراتيجية، ينبغي أخذها بنظر الاعتبار بشكل موضوعي، إذ لا يكفي أن تصبح روسيا قوة بهذا الحجم، لمجرد أن يرفع مندوبها في مجلس الأمن الدولي يده بالفيتو ضد تمرير هذا القرار أو ذاك، مناكفة للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
فحق استخدام الفيتو وفق النظام العالمي الحالي، متاح لدول مثل بريطانيا وفرنسا، اللتين لا تمتلكان ما تمتلكه روسيا من أراضٍ شاسعة وقوة عسكرية ضاربة، ولكن لديهما قدرات اقتصادية ونفوذ ثقافي دولي يفوق ما لدى روسيا.
فالشرعية الدولية، إن سلمنا بأنها شرعية حقاً، حين تقررها خمس دول فقط، لا تستقيم حين تصبح إحدى هذه الدول ضعيفة سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، أو لا يكون لها دور حضاري عالمي يخدم مستقبل البشرية على المدى البعيد، يتعلق بممارسة دور ريادي في القضايا البيئية وقضايا حقوق الإنسان.
لم تعد الاصطفافات في المواقف السياسية ذات طابع أيديولوجي كما كان الحال، أو هكذا بدا في حينه، خلال حقبة الحرب الباردة، حين كان للاتحاد السوفييتي السابق خطاب له بعض الجاذبية لأحزاب وقوى سياسية ودول صغيرة، وجدت فيه ضالتها للتخلص من الوصاية الغربية على مستقبلها.
فعودة روسيا لتصبح، أو هكذا ترغب، نداً للغرب، تبدو قضية غير واقعية، فهي لا تمتلك رسالة حضارية متميزة من جهة، ولا تمتلك ما لدى الغرب من إسهامات علمية وتقنية وطبية وثقافية، من جهة أخرى.
فعلى المحور الاقتصادي، يُصَنف الاقتصاد الروسي من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بأنه اقتصاد دولة نامية، فالثروات النفطية والغازية التي تنتجها روسيا أصبحت المصدر الرئيس لاقتصادها، وأصبحت في الوقت نفسه الذراع الأكثر أهمية الذي يمكنها من ممارسة ضغوطها السياسية على الغرب، خاصة على دول الاتحاد الأوروبي المجاورة لها، أو غير البعيدة منها جغرافيا.
تحتل روسيا المركز الثامن عالمياً، بعد البرازيل، من حيث حجم الناتج القومي المحلي (GDP)، الذي يزيد قليلاً على اثنين تريليون دولار (تقرير منظمة الأمم المتحدة 2012)، وتقف في الموقع الثامن والخمسين من حيث درجة رفاهية المواطن الروسي، حيث يبلغ معدل دخل الفرد فيها 17.500 دولار سنوياً (تقرير صندوق النقد الدولي 2012).
وتحتل الموقع الثالث عالمياً بحجم ميزانيتها العسكرية البالغ 72 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل عُشر الميزانية الدفاعية الأميركية. لكنها تقف في الدرجة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في سوق تصدير السلاح، حيث تبلغ حصتها من السوق العالمية 24 % (معهد استوكهولم العالمي للسلم 2012).
وتحتل المركز الثامن بعد هولندا في حجم صادراتها، بمبلغ قدره 515 مليار دولار (كتاب حقائق العالم سي آي آي 2013). وتحتل المركز الرابع عشر في حجم استيرادها، بمبلغ قدره 334 مليار دولار (تقرير منظمة التجارة العالمية 2012)، وبعبارة أخرى، فإنها تحتل الموقع الثالث عشر بعد بلجيكا، في حجم دورها في السوق التجارية العالمية الذي يبلغ 2.3 % فقط.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فقد انحسر نفوذ روسيا كثيراً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتحول جل اهتمامها لمعالجة شؤون البيت الداخلي، بعد أن أخفقت في مقاومة إرادة الدول التي كانت حليفة لها في حلف وارسو، للانتماء للاتحاد الأوروبي والانضمام لحلف الناتو...
بل فشلت في توظيف ما تملكه من نفوذ لعرقلة تحول بعضها، مثل بولندا، نحو موقف غير ودي بالمرة، إن لم نقل عدائياً، حين سمحت بإقامة جزء من الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ في أراضيها. ولم يتوقف هذا الانحسار حتى الآن مع توجه أوكرانيا نحو التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وفك عرى ارتباطاتها الوثيقة مع موسكو، التي استمرت على مدى يقرب من قرن من الزمن.
روسيا تخوض مغامرة قد تترتب عليها خسائر تضر بمصالحها على الأمد البعيد، في ما يتعلق بالقضية الأوكرانية، حين تفضل الأخذ بخيار المواجهة مع أوروبا بديلاً عن خيار التكامل معها.