"إن وظيفة القائد الأساسية هي استخراج أفضل الأفكار من فرق العمل، وتطبيقها في الواقع، لتحقيق سعادة ورضى الناس، وإننا بحاجة لأدوات جديدة، وطرق مختلفة، وإبداع مستمر، للاستمرار في بيئة تنافسية عالمية، تزداد قوة يوماً بعد يوم".

بهذه الرؤية الواضحة وهذا الطرح العميق، أسس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، منهجاً في القيادة، دأب على الدق المنتظم على مفرداته، ذلك أن مجالات تطبيقه غير محددة بحدود الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية للدولة، بل يستوعب في إطاره كافة مجالات الحياة، ومختلف مناشطها، مؤسساً بذلك مؤهلات القيادة للجيل الحالي، ولأجيال المستقبل.

وعندي أن هذه الرؤية ترتقي إلى مرتبة القانون، وكلمة قانون تعني أنها ثبتت صحتها للدرجة التي لا يتسرب إليها ظن أو شك، كما أنها تمثل حركة حاكمة، إذا توافرت لها مقدمات تحقق النتائج، حيث تخلص علوم الإدارة والقيادة إلى أن أفضل السبل، لتحقيق خطط الدولة، ونجاح تنفيذها، واستمرارها، هي أن تتسع دائرة المشاركة في وضعها، وأن يكون الأفراد المعنيون بها جزءاً من الخطة نفسها، وذاك هو السبيل الوحيد، إن لم يكن الأوحد، للحفاظ على مكتسباتها، وضمان استمراريتها.

والقيادة الحقه هي التي تمتلك القدرة على الفرز، والالتقاط من بين ملايين المفردات، التي تتعامل معها، لتدفع بها، وتعطيها زخم التطبيق، وهنا تأتي قيمة القيادة، التي تنظر إلى الأفكار لا إلى الأشخاص، وأن قيمة الفكرة أهم من مصدرها، فالرجال يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال، وهنا قيمة مضافة عندما يستشعر كل فرد أن فكرته مقدرة ومعتبرة، لتنفخ في روحه المعنوية، وتزيد من دافعيته، لينتج أفكاراً، بدلاً من أن ينتظر دائماً ما يقدم له من أفكار، وهذا هو الطريق لصناعة قادة جدد، بل وزرع الثقة في نفوس أبناء الوطن.

لذا كان إبداع القيادة في جلسات العصف الذهني، التي جعلت مؤسسات الدولة ليست فقط بيوتاً للإبداع وصناعة الأفكار، ولكن لتنفيذها كذلك، فما أصعب أن يحال بين الفكرة المبدعة، وبين تطبيقها، لتعم فائدتها، وتقر عين صاحبها.

إن من الآفات التي أصابت العديد من المؤسسات في عالمنا العربي، أن أصحاب الأفكار المبدعة لم يجدوا من ينصت إليهم أو يلتفت إلى أفكارهم، فقتل لديهم مجرد الرغبة في التفكير، وأصابهم الإحباط، واستشعروا الغربة في أوطانهم، ومنهم من هاجر إلى بلاد عاشت على أفكارهم، وارتقت بها، بعد أن أتاحت لهم البيئة المواتية.

ومن غير الممكن تطبيق الأفكار الجديدة بأدوات تقليدية، ولكن لا بد لتمام الإبداع من ابتكار السبل، التي توصل إلى الهدف، كما أن الإبداع لا يتوقف عند الفكرة، ولكن هناك إبداع في التخطيط والتنفيذ، وهذا يتطلب من أبناء الرؤية، الذين يتحملون مسؤوليتهم الوطنية، أن يسابقوا الزمن في اكتساب مهارات جديدة والتعامل مع مفردات العصر بمهاراته ولغته وأدواته...

لأن الأهداف الكبيرة، التي تغير حياة البشر، لا يصلح معها الأداء التقليدي الرتيب، وهذا ما أكدته القيادة من أن الثبات على حال هو نوع من التراجع، لأننا نعيش عصراً، وتيرة حركته غير مسبوقة، ومن لم يستطع أن يغالب ليجد لنفسه وشعبه مكاناً يرضي طموحه، لن يكون تنازل عن حقه فقط، بل عن حق الأجيال القادمة.

ولأن الأمر على هذا النحو، كان إطلاق استراتيجية تحويل دبي لمدينة ذكية، التي تتضمن ستة محاور أساسية، و100 مبادرة في النقل والمواصلات والبنية التحتية والكهرباء والخدمات الاقتصادية والتخطيط العمراني، إضافة لتحويل 1000 خدمة حكومية لخدمات ذكية خلال السنوات الثلاث المقبلة، التي تأتي في السياق المنطقي للرؤية، التي تهدف إلى تحويل دبي من مدينة، نعيش على أرضها، إلى مدينة تعيش فينا ومعنا، من خلال تطوير جودة الحياة، وأن يشعر كل فرد يعيش على أرضها بذلك، وهنا تأتي أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، باعتبارهما جناحي مسيرة النهضة.

إن أهمية استراتيجية تحويل دبي لمدينة ذكية، تكمن في أنها لا تنظر فقط إلى المستقبل والأجيال القادمة، لكنها لا تنسي أهمية أن يلمس أبناء هذا الجيل حركة التطور، وتجويد الحياة كل لحظة.

من هنا تأتي أهمية ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في ومضاته، من أن "المستقبل يبدأ الآن وليس غداً"، وهو بذلك يؤكد أن هدف العمل الجاد والتطوير الدائم ليس فقط للأجيال القادمة، ولكن للجيل الحالي، لأن كثيراً ممن يريدون الهروب من معضلات الواقع وتحدياته، يتحدثون عن المستقبل، ولكن شجاعة المسؤولية تتطلب أن تكون هناك عين على الحاضر، وعين ترقب القادم، وتستعد له.

ولا شك في أن إتاحة هذه الحالة من الرضى والأمل الدائم في أن الغد يحمل دائماً أنباء سارة، أمر صعب التحقق، لو لم تكن لغة القيادة ذاتها لغة تغذي هذه الروح في أبناء الوطن، وتجعل لحياتهم معنى، ولوجودهم قيمة، وأن كلمة مستحيل لا وجود لها في قاموس الرجال، الذين تعلو همتهم، وتصغر أمامهم مهما كانت وعورة طرق الصعود، لتسري هذه الروح في جسد الوطن فيظل فتياً بفتوة أبنائه، وقدرتهم، وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين قال، "إننا قادرون على تحقيق كل ما نتخيله"..

وهل كانت الأعمال الخالدة في تاريخ الشعوب قاطبة إلا أحلاماً في خيال قادتها؟ وهل تفردت القيادات وتميزت إلا بقدرتها على الحلم، والعمل على تحويله إلى واقع، وتحمل المخاطرة والعنت في سبيل ذلك؟ فلم يكن أبداً طريق النهوض ممهداً ومفروشاً بالورود، إنما تروى شجرته دائماً بالعرق والجهد، الذي لا يعرف الكلل أو الملل، مستنداً إلى الثقة بعون الله، ثم أبناء الوطن وقدراتهم.

هذه هي الروح التي غيرت خريطة منطقتنا، حين حول المؤسسون الإمارات المتصالحة إلى الإمارات العربية المتحدة، وبهذه الروح وتلك الطاقة وضع جيل المؤسسين ثوابت البناء، التي بها حافظ ونما من تربي في كنفهم، فأضحت تجربتنا في الاتحاد والنهضة نموذجاً يحترم ويحتذى، وبهذه الروح وحدها يمكن أن يصبح الخيال واقعاً.