لا يوجد من يُجاري أحبتنا المصريين في حس الدعابة وفي سبك الحكم الطريفة التي تصوّر بعض الأحوال التي تجعل الحليم حيراناً، فما من مقولة إلا وكانت نتيجة لتجربةٍ مريرة من شخصٍ ما أو حادثةٍ ما، وقبل أيام استدعت ذاكرتي المقولة الطريفة : "قال : يا فرعون إيه اللي فَرْعَنَك؟ قال : ما فيش حد يلِمِّني!" وأنا استمع لبعض الإخوة الراحلين عن إحدى المؤسسات التي ابتُلِيَتْ بإحدى العاهات البشرية الذي لا يرى أمامه إلا نفسه أموراً وقصصاً ظننتها مُزحةً في البداية فهي لا تختلف عمّا يروى عن قراقوش وفظائعه المجنونة!

من المعلوم أنّ الموظفين لا يستقيلون من المؤسسات ولكنهم يستقيلون عن مديريهم، فالمكتب والطاولة والأجهزة وشكل النافذة والأوراق لا تثير أعصاب أحد، ووحده المدير السيىء من يجعل الفردوس جحيماً ويقلب بيئة العمل الحسنة إلى بيئةٍ خانقةٍ طاردةٍ لا يرضى بالبقاء فيها إلا من يستكين لجبروت هذا القراقوش ويرضخ لتهديداته ولا يجرؤ على رفع نظره إليه لا أن يرفع صوته بالشكوى أو الاحتجاج!

هذا المدير هو من فئة السايكوبات الخالصة Psychopath وهي فئة مختلة عقلياً وليست مختلّة سلوكياً فقط، إذ أن لدى الشخص السايكوبات نرجسيةً وعشقاً للذات لا يصدق، وولعاً لا يجاري باستغلال الآخرين وبانتهاز الفرص وبتهميش منافسيهم من الموظفين المتميزين وبقضاء أغلب وقته في حبك الدسائس والمؤامرات للإيقاع بمن يقف في طريق مطامعه، والمدهش أنه لا يعتبر ذلك خطئاً أو اساءة، بل يراها من مصلحة المؤسسة بأكملها والمنتفعين بخدماتها أن يصل هو إلى ذلك المنصب، فغايته تبرّر وسائله ومشاعر الناس وآلامهم هو آخر ما قد يهمه وهو في كل حالات التطرف والاستغلال التي ينتهجها دائماً ما يكون هادئاً مطمئن البال لا يرق ولا يؤنبه ضمير!

هذا المدير والذي وصل لمنصبه بعد سلسلة من عمليات إزاحة مسؤوليه بقلب الحقائق وانتهاز الظروف الضبابية، بلغ به الأمر أن يتفاخر أمام الجميع أنه يسمع "دبيب النملة" في المؤسسة، وأنه يعرف مع من يتحدث كل موظف وماذا قال ومتى قال ذلك، ليهمس أحدهم بأنه عرف الآن سبب إلزام الموظفين بإخلاء المكاتب في نهاية السنة الماضية ورؤيته لأسلاك عديدة يتم البدء بمدها فضلاً عن تلك الشاشة الكبيرة الموجودة بمكتب سعادة شارلوك هولمز هذا والتي كان يُعتَقد فقط أنها لمراقبة خدمة العملاء!

إنّ وجود أمثال هذا المدير هو ما يئد مستقبل المؤسسات ويقتل كل أمل بغدٍ أجمل وانتاجية أعلى تلبي طموحات المجتمع وقيادته الرشيدة، فسلوكياتهم وتوجهاتهم السايكوباتية هي ما يؤجج الأجواء ويهيج النفوس ويهيء بيئة خصبة للمواجهات وانشقاق المؤسسة، فمن كانت نظرته الميكافيلية بأن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت منحطّةً لا يمكن أن نتوقع أن يُسهم في بناء مؤسسة راسخة الأركان، قادرة على التألق في مستقبل الأيام، فهو بتصرفاته يبث السُمّ في شرايينها ويغتال كل أملٍ بعلو صوت الإبداع والعدالة والشفافية فيها، وكلما رأيتَ المتميزين من الشباب يرحلون بازدياد عن مؤسسةٍ ما، فتأكد أن بيئتها مسمومة لا يبقى فيها سوى أشباه الأموات ومن يعلم أنه لن يجد أحداً يقبل قدراته المتواضعة أو ممن لا تفرق معه الأمور ما دام الراتب سيصل بحمد الله وسلامته نهاية كل شهر!

هناك كتاب ألفه روبيرت غرين اسمه "المبادئ الثمانية والأربعون للقوة" اختصر فيه كل ما يخص هؤلاء السايكوبات وعن منهجيات الاستغلال والانتهازية الفجة، ومن قرأه سيعلم خطورة هذه النوعية من البشر والتي تسحر الآخرين عند لُقياهم وهي تتشح بمسوح الأولياء وثياب الملائكة، فلا تقول إلا جميل الكلام ولا تظهر إلا راقي الصفات تماماً كالأفعى التي يخدعك ناعم ملمسها عن سُمها الزعاف المنتظر للفرصة!

إنّ ما يبحث عنه الناس هو المدير الذي يحفظ قدر المجتهدين ويعترف بإسهاماتهم لا من يسرق مجهوداتهم ويلزمهم بتجهيز حتى عروض الباوربوينت وينسبها لنفسه، ويبحثون عمّن يعلم موظفيه التسامح والتعاون ولين الجانب مع زملائهم ويقرب بين وجهات النظر المختلفة لا من يبث العداوات ويؤجج نار الترصد ويجعل همّ كل شخص أن يبحث عن خطأ الشخص الآخر للإسراع به لسعادته، ويبحثون أيضاً عمّن يبحث عن الأفضل لتعيينه أو ترقيته لا رفاقه وأقاربه ومن لا يشكل تهديداً عليه من متواضعي القدرات لضمان أن تبقى المؤسسة دائرة في فلكه حتى لو رحل منها!

إنّ الخلل الحاصل في الجانب التنظيمي لا بد من علاجه، ألا وهو تقييم الإدارات العليا في المؤسسات ومحاسبة المقصر منها، فلو كان هذا الإجراء موجوداً لما وجدنا مثل هذه النوعيات تعيث فساداً ولوجد فرعون فعلاً من "يلمّه عن الفرعنة"!