تعتبر استطلاعات الرأي العام إحدى أهم آليات العمل التي تمارس في الدول الديمقراطية، فهي بمثابة البوصلة التي تحدد لصناع القرار المسار السليم في عالم السياسة المتلاطم الأمواج، إضافة إلى أنها أداة إصلاح مهمة لا يستغنى عنها في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. لذلك تلعب مراكز البحث والتطوير والمعاهد المتخصصة في جمع البيانات، دوراً كبيراً في الحياة السياسية والمجتمعية في البلدان الديمقراطية، وذلك لرصانة ما يصدر عنها من دراسات أو إحصائيات. وقد تصبح البيانات التي تصدر عن بعض هذه الجهات في بعض الأحيان، ذات قيمة لا تقدر في دول أخرى.

في السابع والعشرين من يناير المنصرم نشر مركز الأبحاث الأميركي (بي إي دبليو Pew )، تقريره الإحصائي السنوي لعام 2013. والمركز هو إحدى مؤسسات الرصد والتقييم غير الحكومية، ويُعنى برصد توجهات ومواقف الرأي العام الأميركي من مختلف السياسات المتبعة من قبل الإدارة الأميركية. وتضمن التقرير الإحصائيات التي أجريت في أكتوبر - نوفمبر من العام نفسه، وورد ضمن العديد من المحاور المهمة التي احتواها..

محوران مهمان يتعلقان بقضايا تخص دول منطقة الشرق الأوسط والسياسات الأميركية المتبعة إزاءها. المحور الأول حول الموقف من الأنظمة الجديدة التي من سماتها عدم الاستقرار، وما إذا كان المواطن الأميركي يفضل لصالح بلاده أن يرى أنظمة ديمقراطية أم أنظمة مستقرة؟ أما المحور الثاني فيتعلق بالموقف من سياسة الإدارة الأميركية المنحاز نحو عملية التغيير في الأنظمة، التي حصلت في هذه المنطقة.

والحقيقة أن المحورين يتناولان بشكل غير مباشر، الموقف من الربيع العربي الذي جاء بمعادلات غريبة تماماً عما هو متوقع، فقد صُنعت تحت ظلاله أنظمة سياسية لا مفر من الإقرار بأنها نماذج تعبر في سلوك قياداتها وآليات عملها، عن ظاهرة غريبة وغير مألوفة، وهي التنافر بين "الديمقراطية" و"الاستقرار"، عكس ما هو بديهي ومتوقع من تكامل بينهما، وهو ما يجعل مستقبل هذه الأنظمة غير مضمون، ويجعل الرهان على دعمها وعقد شراكات معها يدخل في باب المقامرة، وهي لعبة قد تغري الفرد للانخراط فيها، إلا أن الدولة ينبغي ألا تلجأ إليها.

فقد عمل هذا الربيع على تعكير صفو الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، حين تمخض عن أنظمة تمارس الديمقراطية بطرائق تمتزج بها وتوجهها ذهنية الطاغية، فرداً أو حزباً أو عقيدة، الذي نجح في توظيف الأبعاد الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو القبلية أو المناطقية، لصالحه أو صالح الحزب الذي ينتمي إليه، ما أفرغ الديمقراطية من محتواها الأساسي النبيل..

وهو التوجه نحو العناية بالإنسان وسعادته، مادة وفكراً، حاضراً ومستقبلًا. ففي ما يتعلق بالمحور الأول، تبين أن 63% ممن شملهم الاستبيان يفضلون وجود أنظمة مستقرة، حتى لو كان ذلك على حساب التقليص من مستويات الممارسات الديمقراطية، في ارتفاع ملحوظ في حجم الرفض لسياسة الترويج للديمقراطية التي تعتمدها الولايات المتحدة، مقارنة باستبيانات مشابهة أجريت من قبل المركز نفسه عام 2011، حيث صوت 52% لصالح أنظمة مستقرة، وعام 2012 حيث صوت لصالح ذاك 54%.

لم يأت هذا التصاعد في مزاج الرأي العام الأميركي نحو الميل إلى التحفظ على عمليات التغيير، التي لم تكتف الولايات المتحدة بالدعوة إليها، وإنما أسهمت بشكل فاعل في حدوثها من فراغ، بل صنعته أحداث المنطقة نفسها التي دخلت في فوضى تحت واجهات ديمقراطية، تثير الرثاء أحياناً، وتثير السخرية أحياناً أخرى..

وما تركه ذلك من انعكاسات على الموقف الدولي للولايات المتحدة، التي بدأت تدفع ثمن سياساتها الخارجية التي يعوزها النضج، وشراكاتها المهزوزة مع قوى الإسلام السياسي التي كانت المستفيد الأول من الربيع الذي لم تصنعه.

أما على مستوى المحور الثاني الذي لا يقل أهمية عن الأول من حيث كونه وثيق الارتباط به، والذي يتعلق بالموقف من التدخل الأميركي في دول المنطقة ودورها في عمليات التغيير، بهذا الشكل أو ذاك، لصالح مجيء أنظمة ديمقراطية، فقد كان الجواب في منتهى الوضوح، وهو أن على الولايات المتحدة أن تكون أقل انشغالاً بقضايا الشرق الأوسط، حيث كان 63% أيضا لصالح ذلك، في حين كان 23% فقط لصالح أن يكون للولايات المتحدة دور أكبر في عمليات التغيير.

والحقيقة أن مراجعة هذه الأرقام بشكل عابر، قد توحي للقارئ بأنها غير ذات قيمة، ولن يكون لها تأثير يذكر في السياسات التي تتخذ في مراكز صناعة القرار في الولايات المتحدة، كالبيت الأبيض والكونغرس، وهي حقيقة لا مفر من إقرارها، إذ ليس كل ما يتخذ من قرارات من قبل الإدارة الأميركية يخضع لبارومتر الرأي العام.

ولكن، من جانب آخر، لهذه الأرقام أهميتها الكبيرة في الحملات الانتخابية التي يخوضها المرشحون لإشغال المواقع القيادية في هيكل الدولة الأميركية، بدءًا من الرئيس ومروراً بأعضاء الكونغرس بمجلسيه، ووصولاً إلى محافظي الولايات، حيث يحرص المرشحون لهذه المواقع القيادية على متابعة هذه الأرقام وتحليل دلالاتها، للتعرف إلى مزاج الرأي العام ووضع سيناريوهات الحوار المناسب معه بشكل يخدم الحملة الانتخابية.

من جانب آخر، هذه الأرقام لا تقل أهميتها لدى من يرسم الاستراتيجيات ويستقرئ مستقبل السياسات في جميع دول العالم، خاصة تلك التي تتربص بالولايات المتحدة وتقف في معظم الأحيان منافسة مناكفة لها في مجلس الأمن الدولي، وبالأخص روسيا.

لكن الأحوج من غيرها للاطلاع على هذه الأرقام والاستفادة من دلالاتها، هي دول المنطقة التي يعوزها وجود المراكز المتخصصة، التي تضع الحقائق والتحليلات الموضوعية الرصينة التي تنطق بها الأرقام، في متناول أيدي الساسة وصناع القرار لاتخاذ ما يناسب من قرارات من جهة، وتضعها في الوقت نفسه أمام الرأي العام في هذه الدول لتمكنه من التعرف إلى ما يجري في العالم من طرائق، في رسم السياسات وفي توجيه القائمين على شؤونه من جهة أخرى.