ربيع حقيقي يحتاج وقتا ليثمر أم حلقة أخرى من متوالية تدمير الذات؟ مؤامرة على أمة أم أمة استمرأت الخضوع للاستعمارات؟

تساؤلات تبدو مجحفة في حق مئات الآلاف من البشر الذين قتلوا من دون أن يدروا لماذا وإلى أين؟ لا بوصلة تدل على الطريق، لا منارات وسط هذه العواصف العاتية، ولا ممرات آمنة بين بركة دم وبين دمعة دامية.. الكل مريض بحزن، والأعراض هزال في كل مفاصل الأمة.. غياب للحرية، سلطوية في الحكم، ولا استقرار إلا للخوف.

كيف حدث كل هذا الخراب؟ ومن أوصلنا إلى هذه الحالة الضبابية، حيث لا وضوح في الرؤية ولا اتزان يذكر في المرحلة؟..

سوريا لم تعد لاعبا إقليميا في المنطقة، مصر ثورة ثانية تتجه شرقا، ليبيا حرب قبلية على غنائم الثورة، العراق حرب أهلية مشتعلة، اليمن حوار طرشان وطني و"قاعدة" عالمية، لبنان انتقال للحرب السورية، الأردن يدفع ثمن موقعه الجغرافي ودوره الإقليمي، دول الخليج محل الأطماع النفطية الدولية، وفلسطين يتعمق تهويدها، ليتحول الفلسطينيون من مواطنين مقيمين على أرضهم إلى لاجئين مقيمين على أرض غيرهم (اليهود)، حسب تعبير عدنان أبو عودة.

ثمة من يرى أن السبب يكمن في فشل قيام الدولة الوطنية العربية، حيث ظل المواطنون خارج دائرة صنع القرار في دولهم، ما أدى إلى أمراض مجتمعية اقتصادية وسياسية، جعلت من الفرد كائنا استهلاكيا وتابعا سياسيا.

وفي دول جمهورية يفترض أن يكون فيها للمواطن دور فاعل في القرار من خلال صناديق الانتخاب، نمت حول الرؤساء، غير المنتخبين أصلا، فئة القطط السمان والمتنفذين والشبيحة والزعران، إضافة لقوى الشد العكسي لحق الشعب في أن يحكم ويتحكم في حياته ومستقبله و.. مماته!

تراكم هذه الظواهر وتعاظم دور الفئات الطفيلية، أديا إلى خنق الحريات وتقليص حصة المواطن من لقمة العيش، حتى بات شبه متسول لقوت أطفاله من ما يفترض أنه نتاج كده وعرقه وعمله.. وأصبحت حياته تعادل ثمن رغيف محروم منه، ما حدا بالبوعزيزي أن يحرق نفسه عندما منعته الشرطية من التكسب على عربة الخضار في تلك الحارة التونسية.

وثمة من يرى أن سبب الخراب هو المؤامرة الصهيونية على العدو العربي، وذلك من خلال مخطط تفتيت الدول العربية كمرحلة ثانية من تقسيم سايكس ـ بيكو، بحيث يصبح الكيان الذي تشكل في التقسيم المبني على أسس جغرافية سياسية، عدة كيانات مبنية على أسس طائفية بالدرجة الأولى، ما يؤسس بالتالي لحروب تستمر عشرات السنوات، ولا تنتهي إلا إلى أنهر من الدم بين أبناء الدولة التي كانت واحدة.. ونعني الدول العربية الحالية.

ومن مؤشرات "المؤامرة" ما نتج عن احتلال العراق ودستور بريمر، وما يجري في سوريا من حرب مذهبية، واليمن من معارك عشائرية وطائفية، إضافة إلى انفلات النزعة الطائفية في عدة دول عربية، والتي بدأت تأخذ مظاهر عنف احتجاجي مسلح بأدوات بدائية محلية.

تمهد هذه الخطوط على الأرض إلى خطوط "سايكسبيكية" جديدة، باللون الأسود الطائفي. فهناك من يرى خطوط ثلاث دول في سوريا؛ علوية، وسنية، وكردية، ونصف درزية ينضم إليها لاحقا دروز لبنان.. وثلاث دول في مصر: الدولة القبطية، والدولة النوبية، والدولة الإسلامية في سيناء.. وكذلك الأمر في ليبيا، وربما لاحقا المغرب والجزائر وغيرها.

في كل الأحوال وأيا كانت أسباب الخراب، فلا بد من تلمس الجدران لإيجاد مخرج، حتى لوكان ثقبا قديما علاه الغبار أو سده طين العقود الماضية.. فهل يكون عقد الثلاثة مليارات دولار الذي تم الاتفاق عليه أثناء الزيارة المهمة التي قام بها السيسي ووزير خارجية مصر لموسكو مؤخرا هو هذا الثقب؟

ونحن نشاهد السيسي وبوتين والكرملين والساحة الحمراء، تذكرنا عبد الناصر وخروتشوف وبودغورني وكوسيغن.. فهل يكون التعاون اليوم أفضل بين العرب والروس، خاصة أن موسكو اليوم ليست سوفييتية ولا شيوعية حمراء، ولا حديدية، بل أقرب إلى الليبرالية اللااشتراكية، وتغريها أوراق الدولار أكثر من أوراق كتب ماركس ولينين والثورة البلشفية؟