للشاعر أبي تمام بيت شعري يتردد على الألسنة أكثر من غيره، وهو «السيف أصدق إنباء من الكتب * في حدّه الحد بين الجد واللعب». ما يستوقفنا في هذا البيت الشعري، هو الفكر الذي يكمن خلفه..

حيث يسمو السيف على الكتاب ويطغى دور القوة على دور الكلمة في قول الحقيقة، طالما كان المرجع الذي غرف منه الطغاة مناهجهم في الحكم منذ أن وجدوا، لجدب أجندتهم وخوائها، هو القوة ورمزها السيف، باعتباره خير وسيلة للتعامل مع معارضيهم، الذين يحملون فكراً أو لنقل يتأبطون كتاباً.

والقوة لاتزال كما كانت ذات أهمية خاصة لحسم بعض الصراعات على المسرح الدولي، رغم أن السيف لم يعد رمزاً لها، إلا أن الصدق قد انفصم عنها في العصر الحديث، وأصبح أكثر ارتباطاً بالأرقام التي أصبحت لغة عصرنا في كل صغيرة وكبيرة، حيث تحول الإنسان نفسه إلى رقم في هوية أو جواز سفر أو وثيقة ضمان اجتماعي أو غير ذلك.

عنوان هذه المقالة «دع الأرقام تتحدث»، هو «نظرية» استخدمت في كتب الدفاعات اللاهوتية في الكنيسة الشرقية المسيحية، بغية التصدي لنظرية النقد النصي للعهد الجديد، وذلك للتدليل على صحة النص بالإشارة إلى أن عدد المخطوطات المكتشفة له يبلغ 5656 مخطوطة كاملة أو جزئية، ما يعطيه مصداقية تاريخيه غير محدودة.

لسنا بصدد الدخول في متاهات الأرقام وسحرها وما وصلنا عنها من أسلافنا، فذلك موضوع كبير جداً، ولكن نود أن نركز على رقم واحد فقط يتغير كل شهر في العراق، صعوداً أو هبوطاً، بمقدار قليل، فهو خير مؤشر على حال الواقع السياسي في هذا البلد، فلندعه يتحدث..

ذكرت بيانات صدرت عن وزارات الصحة والداخلية والدفاع في العراق، أن 1013 شخصاً قتلوا من جراء أعمال العنف في شهر يناير المنصرم، بينهم 795 مدنياً و122 جندياً و96 رجل شرطة، وأصيب 2024 بجروح، بينهم 1633 مدنياً و238 جندياً و153 رجل شرطة. وهو أعلى رقم منذ أبريل 2008، حين بلغ عدد القتلى 1073 قتيلاً.

تفاصيل هذه الإحصائية الصادرة عن جهات رسمية، تكشف حقيقة مهمة وهي أن القوات الأمنية، الجيش والشرطة، أي الحكومة، هي أحد طرفي القتال الذي يسقط فيه شهرياً هذا العدد من القتلى والمصابين.

هذه الأرقام على درجة كبيرة من الأهمية، فهي تكشف عن واقع التردي الذي وصل إليه البلد، إذ لم يعد ممكناً فهم ما يجري فيه بالنسبة لمراقبين من الخارج، سوى بالاطلاع على الأرقام التي تتحدث عن عدد القتلى وعدد الجرحى، وعدد المعتقلين، وعدد من ينفذ فيهم حكم الإعدام، وعدد العاطلين عن العمل، أو الأرقام التي تشير إلى الرواتب التي وضعتها النخب السياسية لنفسها، أو الأرقام عن حجم الفساد والمبالغ المسروقة. فتصريحات المسؤولين وخطبهم البائسة غير ذات قيمة في تقويم حالة البلد، فهي قد تقنع قلة من الأتباع والمنتفعين من بقاء الأوضاع على سوئها.

ففي تقويم دقيق لحالة العنف في العراق بعد مرور سنتين على انسحاب القوات الأميركية، ذكر نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي بريت ماكغورك أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، التي استضافته في السادس من فبراير الجاري، أن «التفجيرات الانتحارية بلغت أكثر من ثلاثة أضعاف مثيلاتها خلال العام الماضي، وقفز المعدل من سبع هجمات في الشهر عام 2012 إلى ما يقرب من 35 هجوماً انتحارياً شهرياً في عام 2013».

هذه الأرقام تعني الكثير لدى الجهات ذات الثقل السياسي في الإدارة الأميركية، ليس من منطلق حرصها إنسانياً على أرواح العراقيين، بل من جهة تخوفها وقلقها على ما يلحق سمعة الولايات المتحدة وهي تشهد مآل ما زرعته في العراق، خاصة مع قرب الانتخابات النيابية التي يطمح رئيس الوزراء نوري المالكي للحصول من خلالها على ولاية ثالثة.

الأرقام التي ذكرها هذا المسؤول، سرعان ما ترجمت إلى معناها السياسي في اليوم نفسه، حيث صرح رئيس اللجنة المشار إليها إد رويس بالقول: «إن تصرفات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ساعدت على تغذية نمو الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية»..

وأكد أن «القاعدة أصبحت ماهرة جداً في استغلال هذا الصدع الطائفي والنزعة السلطوية لدى المالكي». وفي أقسى نقد وجهه للمالكي، قال رويس: «بوصفه رئيس الدولة، وكونه ليس على قدر المسؤولية، يجب أن يتحرك المالكي لحمل العراق إلى عصر ما بعد الطائفية». وهذا لعمري تشخيص موضوعي لا يجرؤ السياسيون في العراق على الاعتراف به علانية، فهم لا يجرؤون على الإقرار بأن ما يجري هو حرب حقيقية ذات طابع طائفي.

تصريح المسؤول الأمريكي ليس الأول من نوعه، فقد سبقته تصريحات أخرى لمسؤولين آخرين تصنف في الاتجاه نفسه، وهو ما بدأ يذهب إليه بعض الساسة العراقيين البارزين أخيراً. الولايات المتحدة لم تعد ترى في رئيس الوزراء المالكي حليفاً يعول عليه في مقاربة الملفات التي تؤرقها في العراق، وأبرزها المصالحة الوطنية، والأزمة السورية التي ترى أن العراق لا يعمل ما يكفي لمنع تسرب الأسلحة إلى النظام الحاكم في سوريا.

تشخيص الحالة لم يعد فيه غموض، والطريق السليم الوحيد أمام العراق، رغم وعورته، هو الانتقال إلى طور جديد من العملية السياسية يعيد له عافيته، وهذا لن يتم مع بقاء شخوص العملية السياسية التي كرست الوضع الطائفي، عبر ترسيخها لنظام المحاصصة.

فهل تستطيع الولايات المتحدة بما لديها من قدرات وبما تتيح لها الاتفاقية التي وقعت مع العراق عام 2008 تصحيح ما بدأت تراه توجهاً لغير مصلحتها؟ أم أن المواطن العراقي هو من ينبغي أن يقوم بذلك، من أجل مصلحته؟ سؤال نوجهه لهذا المواطن، ونحن على مقربة من الانتخابات النيابية.