قامت الدنيا ولم تقعد في إسرائيل، فور الإعلان عن تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في ميونخ. فما هي إلا ساعات حتى واجه جون كيري هجوما شرسا من جانب أعلى مستويات الحكم في تل أبيب، رغم أن ما قاله الأخير كان نصيحة من واقع دعم إسرائيل، وليس العكس.
وكان كيري قد تحدث في ميونخ عن ضرورة إحداث تقدم في مفاوضات التسوية المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي تم استئنافها في يوليو الماضي. وحذر كيري من فشل المفاوضات، قائلا إن "المخاطرة عالية للغاية، وهناك من يتحدثون عن المقاطعة، وهي التي ستزداد حدة لو حدث الفشل" في المفاوضات.
وعلى الفور، بدأ المسؤولون الإسرائيليون يعزفون وصلة من الإهانات المتتالية للوزير الأميركى. أول من قفز إلى الحلبة كان يوفال ستاينتز، وزير الشؤون الاستراتيجية، الذي وصف تصريحات كيري بأنها "غير محتملة"، واتهمه بتهديد إسرائيل مؤكدا أن بلاده "لن تتفاوض، بينما السلاح مصوب لرأسها، حول القضايا الأكثر أهمية بالنسبة لمصالحنا القومية".
ثم تحدث وزير الاقتصاد الإسرائيلي، فقال بتعالٍ واضح: "الناصحون عليهم أن يدركوا أن إسرائيل لن تتخلى عن أرضها بسبب ضغوط اقتصادية تواجهها". أما وزير الصناعة فقد خطا خطوة أبعد بكثير، حيث وصل إلى حد اتهام كيري بالعداء للسامية، قائلا "نتوقع من أصدقائنا أن يدعمونا ضد محاولات معادية للسامية كالمقاطعة، لا أن يتحدثوا باسمها".
ولم يكن نتانياهو أقل فجاجة، حيث وصف أي محاولات لفرض المقاطعة بأنها "غير أخلاقية وغير مبررة"، وأضاف أنه "لا توجد أية ضغوط بإمكانها أن تدفعني للتخلي عن المصالح الحيوية لدولة إسرائيل، وعلى رأسها أمن مواطنيها".
وتلك ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها كيري للإهانة من جانب مسؤولين إسرائيليين، فهذه المعزوفة التي جرت الأسبوع الماضي، سبقتها في منتصف يناير الماضي تصريحات مهينة لوزير الدفاع الإسرائيلى موشي يعلون، قال فيها إن "الشيء الوحيد الذي ينقذنا هو أن يحصل كيري على جائزة نوبل ويتركنا لحالنا".
وهو التصريح الذي اضطر وزير الدفاع الإسرائيلي للاعتذار عنه، بعد ضغوط شديدة بسبب غضب إدارة أوباما واعتبارها أن التصريح يمثل "إهانة غير مقبولة" للوزير.
واللافت للانتباه، أن الغضب الأميركي بعد أوركسترا الإهانات هذه المرة، كان باهتا. فبعد أن حذرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية من تشويه تصريحات كيري، قالت إن "الوزير يتوقع من كل الأطراف أن تتحرى الدقة بشأن سجله وتصريحاته".
ثم راحت المتحدثة تدافع عن سجل كيري في دعم إسرائيل و"رفض المقاطعة الموجهة لها رفضا قطعيا". وكأن المشكلة في سجل كيري، لا في الإهانات غير المبررة الموجهة له. واللافت أيضا أن هذه الجولة من الهجوم على وزير الخارجية الأميركي، لم يتبعها أي اعتذار إسرائيلي من جانب أي من الوزراء ولا حتى من نتانياهو.
والحقيقة أن الأهم من ضعف الموقف الأميركي، هو الفجاجة التي اتسم بها سلوك المسؤولين الإسرائيليين تجاه وزير خارجية الولايات المتحدة، التي هي الحليف الأهم على الإطلاق لإسرائيل، والتي بدونها يصبح موقف إسرائيل الدولي مختلفا تماما.
والحقيقة أن تلك الفجاجة ترجع جزئيا لغطرسة اليمين الإسرائيلي، برئاسة نتانياهو على وجه التحديد. وقد حكى روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، في مذكراته التي نشرت الشهر الماضي، عن غطرسة نتانياهو، وقال إنها كادت تؤدي به لحرمان نتانياهو من دخول البيت الأبيض أصلا، أثناء ولاية بوش الابن.
وتلك الغطرسة هي السبب الرئيسي في الخلاف بين نتانياهو وباقي التيارات داخل إسرائيل، حول إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم اتفاقهم على أغلب الأهداف الإسرائيلية في ما يتعلق بالتسوية. فحزب العمل الإسرائيلي، بعد الهجوم الأخير على كيري، دعا لإسقاط الائتلاف الحاكم. أما تسيبي ليفني التي تنتمي ليسار الوسط، فقد دافعت عن كيري واعتبرت أنه يحذر إسرائيل لا يهددها.
الأهم من هذا كله أن تلك التيارات، والتي لا تريد هي الأخرى الوصول لتسوية سياسية، تتخذ دوما موقفا يختلف علنيا عن اليمين في ما يتعلق بتلك المفاوضات. فبينما يعلن اليمين رفضه الصريح للتفاوض، فإن التيارات الأخرى تعتبر عملية التفاوض تلك هي الهدف في حد ذاتها.
فالمفاوضات ليست وسيلة للتوصل لتسوية مع الفلسطينيين، وإنما الهدف منها كسب الوقت من ناحية، وإعطاء العالم انطباعا بأن إسرائيل مخلصة وعازمة بالفعل على حل الصراع، وهو الأمر الذي يساعد على إحباط أية محاولات لاتخاذ القضية الفلسطينية منحى آخر لدى المجتمع الدولي، كتدخل الأمم المتحدة مثلا، أو دعم المقاطعة على نطاق واسع. وهذا ما عبرت عنه ليفني صراحة، حين قالت إن المفاوضات هي "الحائط الذي يقف حائلا ضد أمواج المقاطعة".
والولايات المتحدة في عهد أوباما، تتخذ موقفها تجاه التسوية بمنطق الدفاع عن إسرائيل. فهي ترفض مسألة المقاطعة، وتسعى لوأدها عبر التسوية السياسية. وهي أيضا تخشى من أن يؤدي الابتلاع الإسرائيلي لما تبقى من أرض فلسطين، إلى الحيلولة دون حل الدولتين.
وفي إطار ذلك التوسع لا يصبح هناك حل سوى الدولة الواحدة، بحقوق كاملة ومتساوية لكل مواطنيها من اليهود والفلسطينيين، وهو ما يعني نهاية دولة إسرائيل بسبب ميل كفة الفلسطينيين في الميزان الديمغرافي.
بعبارة أخرى، فإن إدارة أوباما ومعها الكثير من اليهود الأميركيين الليبراليين، بل والكثيرين داخل إسرائيل، يعرفون تلك الحقائق جيدا، ويعتبرون أن المسؤولين الإسرائيليين يدفعون ببلدهم نحو الهاوية.