من المعضلات التي تواجه واقع الممارسات الإعلامية في العالم العربي، أن جانباً كبيراً منها يعتمد على المكتبة الإعلامية الغربية. وبرغم مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء معاهد وكليات للصحافة والإعلام في العالم العربي، فإن الإسهامات العربية في وضع نظريات تؤصل للمشهد الإعلامي العربي، وتنعكس على واقعه الذي يحمل خصوصية تختلف عن غيره من المجتمعات، ما زالت دون الطموح، وحتى الذين تم ابتعاثهم إلى الخارج كل ما قاموا به هو نقل الفكر الغربي إلى العقل العربي في أحسن الأحوال، دون أن تكون لهم بصمتهم الواضحة والمميزة.
أقول هذا منطلقاً من قناعة كبيرة يؤكدها الواقع يوماً بعد يوم، مفادها أن النظام الإعلامي - في كل مجتمع بما ينطوي عليه من وظائف وأهداف ومصطلحات، هو انعكاس لهذا المجتمع، كما أنه يلبي احتياجاته، وإذا كانت أهداف الرسالة الإعلامية في غالبها لا تخرج عن الإعلام والتعليم والترفيه والتوجيه والإرشاد، فإن تناولها يختلف حسب واقع المجتمعات.
فإذا كان الغرب يعظم من الجانب الترفيهي على حساب باقي الجوانب، فإنه لا ينبغي نقل هذا المشهد وزرعه في إعلامنا العربي دون النظر إلى التحديات التي تواجهنا، فضلاً عن احتياجات المشاهد العربي، لا سيما أن النظام الإعلامي الغربي يغلب عليه الطابع التجاري إلى حد كبير، وهو ما لا ينسجم مع المجتمعات العربية. من هنا فإن وجود إعلام الدولة في الواقع العربي، يُحدث قدراً كبيراً من التوازن في إعطاء الجمهور ما يريده وما يحتاج إليه في وقت معاً، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الأمن الإعلامي.
وإذا كان هذا واقع الممارسة، فإن هناك واقعاً آخر يتشكل عبر نقل وتكريس المصطلحات التي يتم نقلها دون تمحيص، أو نحت مصطلحات خاصة بنا، أو أهداف تناسب احتياجاتنا، أو نظامنا القيمي.
من هذه الاحتياجات دور وسائل الإعلام التوعوي تجاه مختلف التحديات التي تواجه مجتمعاتنا، في ظل ضبابية المشهد الإعلامي الذي أضيفت إليه وسائل التواصل الاجتماعي التي قضت على احتكار المؤسسات الإعلامية الرسمية للمادة الإعلامية، وأنبتت مصطلح «المواطن الصحافي»؛ وهو ما يعنى أن كل فرد أصبح قادراً على نشر وبث مادة إعلامية، تصل في الوقت نفسه إلى الملايين دون التأكد من مصداقيتها، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للوسائل الرسمية، وأقصد بها المؤسسات التي تمتهن الإعلام، سواء كانت تابعة للدولة أو خاصة.
ولأن التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا كبيرة، وخاصة في الجانب الأمني، وهو أهم ما يعني المواطن، فهو احتياج يسبق الحاجة إلى الطعام، وهو ما قاله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف «من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، يملك قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا وما فيها». وصدق الرسول حين حدد الأولويات، بدءاً بالأمن، فلا معنى لكل جوانب التنمية والتقدم والرفاه الاجتماعي، إذا لم تكن محاطة بسياج من الأمن الذي يضمن الانتفاع بها وديمومتها.
ولأن الأمر على هذا النحو من الأهمية، كان لا بد أن تتشبث وسائل الإعلام به، وتقوم بدورها بعيداً عن المسمى الضيق للمفهوم، وكأنه يختص بجهة رسمية واحدة سواء الشرطية أو العسكرية، بل يجب أن يتسع ليشمل دور وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية، يداً بيد، وكتفاً بكتف، مع الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية، في دراسة الظواهر الغريبة والطارئة على مجتمعاتنا العربية التي تصطدم مع قيمنا وسلوكياتنا التي نشأنا عليها.
يستوقفني بكثير من التقدير، أن أجد إدارة الطرق تقوم بعمل فتحة جديدة في الطريق أو تحويله عن إشارة ضوئية كانت سبباً في كثير من الحوادث المرورية، لأنها في هذه الحالة تعالج أحد جذور المشكلة وهو المهم، ولا تكتفي بمحاسبة من أخطأ فقط، وهو المنطق الذي يجب أن تتعامل به وسائل الإعلام حين تقوم بدراسة الدوافع التي تؤدي إلى ارتكاب الجرائم والتوعية بأخطارها، وهو ما يمثّل علاجاً للظاهرة وحماية للمجتمع، دون الاكتفاء بالحلول الأمنية التي تتعامل مع العرض دون المرض.
عندما نقول إن التربية ليست مسؤولية الوالدين فقط، رغم أنهما يمثلان الحلقة الأولى في السلسلة التربوية، كذلك فإن إرساء دعائم الأمن ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية الجميع، وفي المقدمة وسائل الإعلام ودورها في الحفاظ على النسيج الاجتماعي، والقضاء على النعرات العرقية أو الطائفية، وتوحيد الاصطفاف الوطني للحفاظ على مقدرات الوطن، والعمل على تحديد البوصلة الاجتماعية نحو هدف يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، ينمي ولا يخرب، ترتفع فيه مصلحة الوطن فوق كل المصالح الفردية الضيقة، إعلام لديه رؤية واضحة عن احتياجات الناس، ويلامس ما يشغلهم، ليصبح صوتهم الذي يصل إلى كل مسؤول، فيقطع طريق الشر على كل متربص للنيل من مقدرات الوطن، أو تكدير السلم المجتمعي والإضرار بمصالحه العليا.
كما أنه يجب ألا يقتصر دور وسائل الإعلام على إلقاء الضوء على ما تقوم به الأجهزة الأمنية من جهود في ترسيخ الأمن المجتمعي، ولكن الأهم هو تنمية وعيهم وإيمانهم وقناعتهم بأبعاد مسؤوليتهم المجتمعية النابعة من قيمهم، ومن شذ عنها يصبح كمن يغرد خارج الصف الوطني بحق، فضلاً عن نشر الحقائق بدقة وسرعة تمنع انتشار الشائعات التي تجد في غياب المعلومة أرضاً خصبة، فضلاً عن المتابعة وتبسيط المعلومة وتحليلها، بشكل يمكّن كل المستويات الثقافية والتعليمية من فهمها وإدراك دلالاتها، دون الاكتفاء بتقديمها بصورة مجردة.
ومن أهم صور الإعلام الأمني ألا تقدم وسائل الإعلام الجريمة في صورة تشجع على ارتكابها أو تغري بها، من خلال الإغراق في التفاصيل، أو تحجبها بحجة حماية المجتمع، ولكن عرضها بشكل متوازن، موضحة المآلات الناتجة عنها وخطورة الانزلاق إليها، ومن المهم إلقاء الضوء على المآلات من خلال المتابعة.
وإذا كان الأمن الإعلامي يعني أن تكون لنا استراتيجية إعلامية مبنية على رؤية نابعة من عمق ثقافتنا ومنظومتنا القيمية، بعيداً عن الاستنساخ أو التقليد، فإن الإعلام الأمني يعني أن تعي وسائل الإعلام خطورة دورها الذي أسماه الأكاديميون نظرية «الرصاصة»، لأن الكلمة إذا خرجت لا تعود، ويتعاظم تأثيرها بمرور الوقت عبر الدق المنتظم.