رغم أن أغلب المراقبين اعتبروا أن أهم ما جاء في خطاب الاتحاد الذي ألقاه أوباما الأسبوع الماضي، هو إعلانه أنه سيتوسع في صلاحياته ويتجاهل الكونغرس، إلا أن الصراع السياسى الشرس بينه وبين الجمهوريين في الكونغرس، سيجعل الرئيس الأميركي عاجزاً عن ذلك التجاهل حتى لو أراد، خصوصاً في القضايا الملحة محل الصراع أصلاً.

كان استقبال خطاب الاتحاد مختلفاً عن السنوات السابقة، فبدلاً من التركيز على جدلية الأجندة السياسية التي يطرحها الرئيس مثلاً، تركز اهتمام المراقبين على ما صرح به أوباما حول صلاحيات سيستخدمها في المرحلة المقبلة.

فهو قال موجهاً حديثه لأعضاء الكونغرس، إن بعض المطلوب فعله يتطلب عملاً تشريعياً، "وأنا حريص على التعاون معكم جميعاً. لكن أميركا لن تقف مكانها، ولا أنا سأقف مكاني. ومن ثم، فكلما استطعت أن أتخذ خطوات دون تشريع من أجل توسيع نطاق الفرص المتاحة للأسر الأميركية، سأفعل ذلك".

ومعنى ما قاله الرئيس الأميركي، هو أنه ينوي استخدام ما يعرف بـ"القرارات التنفيذية"، كلما رفض الكونغرس إصدار القوانين اللازمة. واللافت للانتباه أن الرئيس وهو يعلن ذلك، لم يتطرق للأسباب التي دفعته للجوء لذلك، أي الصراع الشرس الذي يخوضه الجمهوريون ضد الكثير من سياساته، وخطتهم المعلنة بعدم التعاون معه، والتي أفشلت بالفعل الكثير من بنود أجندته.

والحقيقة أن الصراع بين الرئيس والكونغرس ليس جديداً، فهو قديم قدم الدولة الأميركية ذاتها. بل أزعم أن واضعي الدستور الأميركي، كتبوا نصوصه على نحو يدفع عمداً نحو ذلك الصراع. فقد كان الهدف عند كتابة الدستور هو إيجاد حكومة محدودة الصلاحيات، حتى تظل عاجزة عن الافتئات على حريات الأفراد وحقوق الولايات. ومن هنا، رسم القائمون على كتابة الدستور معالم نظام سياسي، لا يسمح لتلك الحكومة بأن تتخذ قرارات إلا حين تكون وراءها أغلبية صلبة تؤيدها.

وكانت الوسيلة التي ابتدعوها لتحقيق ذلك الغرض، هي توزيع السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، على المؤسسات السياسية الثلاث، بحيث لا تستطيع أي منهما العمل إلا بالتعاون مع الأخريين. فإذا انتفى التعاون، صارت الحكومة الفيدرالية مشلولة عاجزة عن اتخاذ أي قرار. وشلل الحكومة وعجزها، كان عند من كتبوا الدستور الأميركي أفضل بكثير من أن تتمكن تلك الحكومة من اتخاذ قرارات بائسة تضر بالحريات أو بالولايات.

ولأن كل سلطة من السلطات الثلاث موزعة على المؤسسات الثلاث، فإن للرئيس الأميركي صلاحيات تشريعية، منصوصاً عليها في الدستور الأميركي، مثلما للكونغرس صلاحيات تنفيذية. وإن كان الدستور الأميركي ينص على صلاحيات أعلى بكثير للكونغرس، بالمقارنة بكل من الرئيس والمؤسسة القضائية.

ويأتي على رأس الصلاحيات التشريعية التي يمتلكها الرئيس، حق الفيتو. فوفقاً للدستور الأميركي، فإن القانون حتى يصدر، لا بد أن يوافق عليه المجلسان، النواب والشيوخ، ويوقعه الرئيس. ومن ثم، فإن رفض الرئيس التوقيع على القانون يجعله لاغياً. لكن لأن الكونغرس هو صاحب الصلاحيات الأعلى، فمن حقه، بعد فيتو الرئيس، أن يعيد التصويت على مشروع القانون نفسه، فإذا وافق عليه ثلثا الأعضاء في كل من المجلسين، صار المشروع قانوناً رغم فيتو الرئيس.

ومن بين الصلاحيات التشريعية للرئيس، المنصوص عليها في الدستور، خطاب الاتحاد ذاته. فهو ينص على أنه "يحق للرئيس من وقت لآخر أن يعطي للكونغرس معلومات عن حالة الاتحاد". ومن حقه أيضاً أن "يقترح عليه (الكونغرس) من القرارات والمشروعات ما يراه ضرورياً". وهو ما يحدث بالفعل طوال الوقت، عبر تقديم الرئيس مقترحات بمشروعات قوانين للكونغرس، رغم أنه لا يوجد ما يلزم الكونغرس بالموافقة على مشروعات الرئيس، ولا حتى بمناقشتها أصلاً.

أما ما يسمى "القرارات التنفيذية"، فليست من صلاحيات الرئيس المنصوص عليها في الدستور. وهي قرارات لها قوة القانون، والأصل فيها أنها قرارات يصدرها الرئيس لتنظيم العمل داخل الأجهزة التنفيذية للدولة، بناء على قانون صادر عن الكونغرس، لتيسير العمل به أو تنظيمه.

لكن القرارات التنفيذية، استخدمت كأداة من قبل الرؤساء الأميركيين المتعاقبين دوماً للالتفاف حول الصلاحية الأصيلة للكونغرس وحده في التشريع، وذلك عبر التوسع في الموضوعات التي تصدر كقرار تنفيذي.

فعلى سبيل المثال، رغم أن الكونغرس وحده هو صاحب الصلاحية في إنشاء أية هيئة أو جهاز تنفيذي، استخدم كينيدي القرار التنفيذي لينشئ ما صار يعرف بفرق السلام. وأصدر ليندون جونسون قراراً تنفيذياً بوقف التمييز العنصري في التوظيف والتعاقدات الحكومية، أما بوش الابن، فقد أصدر عدداً من القرارات التنفيذية، ومنها ما لم يعلن عنها، وعلى رأسها التصريح بالتنصت على الأميركيين دون إذن قضائي. ورغم أن القرارات التنفيذية بالتوسع السابق ليس منصوصاً عليها في الدستور، إلا أن كل رئيس استخدمها استند في ذلك للنص الدستوري الذي يعطيه الحق لدعوة الكونغرس للانعقاد "في الظروف غير العادية".

لكن رغم أن القرارات التنفيذية تعامل كالقوانين من حيث إلزامية العمل بها، إلا أنها في الواقع أضعف بكثير من القانون، لأنه من الممكن إلغاؤها بجرة قلم. فالرئيس الذي سيأتي بعد أوباما، يستطيع ببساطة وقف العمل بقرارات الأخير التنفيذية. أكثر من ذلك، فإن الكونغرس الحالي يمكنه إصدار تشريع ينص على ما يناقض مضمون القرار فيلغيه عمليا، إذا ما امتلك أغلبية الثلثين لتخطي فيتو الرئيس. وأكثر من ذلك أيضاً، يستطيع الكونغرس ببساطة أن يحرم البرنامج أو السياسة التي نشأت بموجب القرار التنفيذي، من التمويل اللازم للتنفيذ.

باختصار، سيسعى أوباما ككل من سبقوه، لأن يتوسع في استخدام القرارات التنفيذية. لكنه، وبسبب الاستقطاب السياسي الحاد، لن ينجح في إرساء سياسات عبرها، خصوصاً في القضايا الجدلية التي هي سبب الصراع أصلاً.