كانت كندا ضمن الدول التسع، التي عارضت قرار اعتبار فلسطين دولة غير عضو بالأمم المتحدة في خريف 2012.
وقيل وقتذاك بأن أوتاوه لا تملك دفعاً لسطوة واشنطن وكلمتها العليا في الحيلولة دون نقل مكانة فلسطين خطوات إلى الأمام ،على طريق التحرر والانعتاق من الاحتلال الإسرائيلي البغيض، على أن هذا التعليل لم يكن مقنعاً، فكندا ليست ميكرونيزيا، ولاهي أقل قدراً في عين واشنطن من الذين أيدوا القرار أو امتنعوا عن التصويت.
ثم إن كندا تقع في طليعة الداعمين والممولين لمنظمة أونروا الراعية لشؤون اللاجئين الفلسطينيين منذ نشأتها غداة نكبة 1948. وقد سبق للأمم المتحدة أن عهدت برئاسة هذه المنظمة إلى شخصيات حقوقية وسياسية كندية مرموقة.
ومن هنا كان حسن الظن، فلسطينياً وعربياً بموقف حقوقي كندي غير عدائي تجاه تبلور الكينونة الدولية لفلسطين، وكانت الصدمة من الموقف المعاكس يوم التصويت على ارتقاء هذه الكينونة.
ربما كان التفسير الأكثر منطقية، هو أن السياسة الكندية التزمت بذلك الموقف المؤسف عن تدبير احترازي. مؤداه المساومة في وقت لاحق على تغييره، لقاء قبول الفلسطينيين بالتسوية السياسية الخالية من حق العودة الفلسطيني. فلطالما كان الملجأ أو المهجر الكندي، مرشحاً بقوة لاستقبال كم كبير من اللاجئين وتوطينهم.
نلاحظ أيضاً أن كندا لديها دراية شبه كاملة بأبعاد ملف اللاجئين. وهكذا فإنه لن يكون هناك من تثريب بأن لديها الرغبة على تطبيق حق العودة الفلسطيني في أقاصي المعمورة، بعيداً عن فلسطين. ولا ينبغي استبعاد القناعة بأنه كلما تم توطين اللاجئين في أماكن قصية عن فلسطين، كان ذلك أفضل لاستقرار التسوية.
هذه التعميمات ثمة معطيات توجب أخذها بعين الجدية. فالتسريبات المنسوبة إلى بعض المصادر قريبة الصلة بأجواء المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، تقول إن رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر تعهد أثناء زيارته الأخيرة إلى إسرائيل ورام الله (20/1/2014) بموافقة بلاده على استيعاب بعض اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في الأردن وسوريا ولبنان، في إطار أي تسوية سلمية بين المتفاوضين.
الأهم من هذه الإشارة أن هاربر راح يؤكد دعم بلاده لحل الدولتين، ووعد بمواصلة تقديم المساعدات للفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة. والسؤال الذي يلح هنا، هو كيف تستقيم هذه السياسة الكندية العاطفة على قيام الدولة الفلسطينية مع رفض مجرد قبول فلسطين كدولة منقوصة العضوية في الأمم المتحدة قبل عام وبضعة أشهر؟
مثل هذا التناقض لا يمكن أن يحدث عن خلل في صناعة القرار الكندي الفلسطيني. الأقرب للصدقية هو افتراض ادخار الإفصاح الكندي عن التأييد الكامل لانبعاث فلسطين الدولة إلى لحظة الانخراط الفلسطيني الكامل في معالجة قضية اللاجئين على الشاكلة التي ترضي التحالف الإسرائيلي الأميركي.
وكأن صانع القرار الكندي يقارب المسألة الفلسطينية في إطار ما يمكن عنونته بـ "الاعتراف مقابل حق العودة".
نحن عموماً بصدد معالجة لقضية حقوقية وسياسية وأخلاقية انسانية كبري بحجم قضية اللاجئين الفلسطينيين، تبدو مثيرة للاستهجان والغضب. فصناع القرار في كندا وسواها في الغرب، يعمدون إلى التعاطف المشفوع بالدعم المادي مع الزعم الصهيوني بأحقية عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" بعد ألفي عام من التيه.
هذا بينما يصر هؤلاء القوم على نفي هذا الحق عن أصحاب هذه الأرض؛ المتجذرين فيها؛ الذين لم يغادروها إلا البارحة فقط، كرهاً وتحت التهديد بفقدان الحق في الحياة.
ترى لماذا يتصور البعض أن اليهودي المتمتع بكل حقوق المواطنة في مشارق الدنيا ومغاربها، هو أكثر انجذاباً وحنيناً إلى استيطان "فلسطين التاريخية"، مقارنة باللاجئ الفلسطيني الذي لا تفصله عن مسقط رأسه سوى بضعة كيلومترات، ويعاني مرارات وإهانات لا حدود لها جراء حالة اللجوء القسري؟ أليس من الحماقة أن تسعى السياسة الكندية إلى استبدال رواية التيه اليهودي، التي لا تقوم على أي حجة قانونية بإنشاء رواية لتيه فلسطيني حقيقي؟!