المشاركة السياسية مطلب مهم للمرأة منذ أن وعت أهمية أدوارها المجتمعية وبالتالي مشاركتها في صنع القرار العام. فتقارير التنمية البشرية اعتبرت أن عصب المشكلات المانعة من تحقيق التنمية المنشودة يكمن في نقص الحريات المدنية ونقص المعرفة وقلة تمكين المرأة أو التميز ضدها.

 

ولذا توصلت معظم المجتمعات إلى قناعة تامة بضرورة مشاركة المرأة في الحياة العامة بكل جوانبها إذا ما نشد المجتمع تنمية مستدامة. وقد أدركت المرأة هذه الحقائق وسعت بكل جدية للمشاركة العامة وخاصة العمل السياسي بوصفه موصلاً مهماً لكل الحقوق الأخرى.

وفي عالمنا العربي ما أن تبلور وعي المرأة بحقوقها المدنية وأصبح هناك نساء مؤهلات نسبياً لخوض المعترك السياسي حتى ظهرت صيحات تنادي بمنح المرأة الفرصة الدائمة عن طريق إعطائها حصة معينة في الانتخابات البرلمانية تعرف باسم "الكوتا".

فالكوتا تعطي المرأة الفرصة الأكيدة للمنافسة مع الرجل والحصول على مقعد تحت كل الظروف والأحوال. ونظراً لحداثة تجربة المرأة السياسية فقد أصر البعض على هذه الكوتا على الأقل حتى تتبلور وتنضج تجربتها السياسية.

وقد انقسمت آراء الناس تجاه مشاركة المرأة عن طريق الكوتا إلى قسمين: قسم يرى أهمية تلك الكوتا على الأقل حتى تتبلور تجربة المرأة السياسية وتصبح قادرة على خوض المعترك السياسي والمنافسة مع الرجل وتحقيق المكاسب بقدراتها الشخصية ومؤهلاتها الفردية غير المبنية على "الجندر" أو النوع الاجتماعي، والقسم الآخر يصر على أن الكوتا لن تخدم المرأة على الإطلاق بل على العكس سوف تضرها كونها تدفع بنساء غير مؤهلات للمعترك السياسي فقط لأنهن نساء.

هذا الجدل بين هذين التيارين يدفعنا لمناقشة الأسباب التي تدعو كل فريق إلى التمسك بموقفه وتقديم المبررات أو المسوغات الخاصة به.

ففيما يتعلق بالرأي الأول الداعم لحق المرأة في دخول البرلمان عن طريق الكوتا فإن الأسباب التي تدعوه إلى التمسك برأيه كثيرة.

فحداثة تجربة المرأة السياسية والظروف الاجتماعية السائدة في بعض المجتمعات جعل من تجربة المرأة في العمل السياسي ضعيفة، الأمر الذي جعلها تفتقد الخبرة والتجربة اللازمين للعمل السياسي، تلك الخبرة التي جعلت الرجل يتفوق عليها في المنافسة في سباق العمل السياسي.

حداثة تجربة المرأة مقارنة بترسخ تجربة الرجل جعل قدميها غير ثابتة في العمل السياسي وربما يدفعها هذا العامل للتراجع أمام منافسة الرجل القوية. الخوف من التراجع جعل أصحاب هذا التيار يفضلون تخصيص نسبة معينة من المقاعد تتنافس عليها النساء وتجعل لهن حصة مؤكدة حتى مع وجود منافسين أقوياء من الرجال.

من الجانب الآخر يظهر تيار ينادي بعدم اعتماد الكوتا ليس من موقف مناهض للمرأة ولكن في واقع الأمر من موقع مؤيد للمرأة وخاصة المرأة المؤهلة.

ففي اعتقاد هذا الفريق فإن الكوتا لن تخدم المرأة على الدوام حتى وأن خدمتها مؤقتاً، كونها سوف تأتي بنساء غير مؤهلات لا خبرة لهن أو يحسبن على تيارات معينة لها من النفوذ والسلطة ما في وسعها فرض نساء معينات أو تسهيل دخولهن إلى المعترك السياسي.

فالكوتا، في رأي أصحاب هذا التيار، لن تخدم المرأة بل تخذلها كونها تأتي بنساء لا خبرة لهن وتدفعهن دفعاً باتجاه العمل السياسي. وهناك أمثلة من واقع المجتمعات العربية.

ففي بعض البلدان العربية التي تعتمد الكوتا تم إحضار نساء لا خبرة لهن على الإطلاق ودفعهن لتمثيل هذا التيار أو ذاك مستفيدين من نظام الكوتا الذي يمنح النساء نسبة معينة في البرلمان. فتحت غطاء الكوتا تم التعامل مع التمثيل السياسي وكأنه مصلحة شخصية أو حزبية تخدم هذا التيار أو ذاك.

الجدل بين الفريقين المؤيد للكوتا والمناهض لها يفتح الباب على مصراعيه لدخول آراء أخرى مستفيدة من عدم الاستقرار الفكري هذا والسماح ربما لدخول أفكار أخرى جديدة ربما لا مصلحة حقيقية لها سوى تدعيم موقفها الأيديولوجي.

إذاً كيف يمكن الارتقاء بمشاركة المرأة في العمل السياسي وهل يمكن أن يتم هذا دون اعتماد الكوتا؟

هناك العديد من الدول العربية التي توصلت إلى قناعة تامة بضرورة مشاركة المرأة في العمل السياسي وعمدت على تشجيعها إلى الولوج إلى الساحة دون اعتماد الكوتا. ولنأخذ مثالاً على ذلك بعض دول الخليج مثلاً.

ففي معظم دول الخليج شجعت المرأة على ولوج الساحة السياسية وتم تقديم كل الدعم اللازم لها. فنجد المرأة، وخلال فترة زمنية قياسية، قد استطاعت ولوج العمل السياسي متخطية عقوداً من التخلف ومن العادات الاجتماعية الموغلة في القدم.

هذا الدعم الرسمي ثبت قدم المرأة في العمل السياسي وأعطاها الثقة في قدراتها الشخصية وفي محيطها الاجتماعي. تجربة دول الخليج في دعم المرأة تجربة رائدة يمكن تطبيقها في أماكن أخرى دون الخوف من التراجع النسوي الذي يمكن أن يحدثه فشل المرأة السياسي.

الدعم الرسمي هذا يمكن اعتباره خطوة مهمة في سلم صعود المرأة للعمل السياسي. وما أن تنضج تجربة المرأة السياسية يمكن بعدها اعتماد خطوات أخرى منها الكوتا ثم التمثيل السياسي الشامل.

الجهود العالمية لدعم المرأة لم تتوقف أبداً عن دفع المرأة تجاه المشاركة التامة وتطوير وضعها خاصة في إطار دعم الخطط التنموية باتجاه دور أكثر شمولية للمرأة في المجتمع.