«أوباما يبحث مع النجيفي دمج العشائر بالجيش»، عنوان تصدر الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام، حول المحادثات التي أجراها وفد برلماني عراقي برئاسة رئيس المجلس النيابي أسامة النجيفي في الولايات المتحدة الأميركية، وقدّم خلالها الرئيس الأميركي نصيحته بأهمية دمج قوات العشائر بالجيش.
وتأتي هذه النصيحة في سياق العمليات العسكرية الجارية في محافظة الأنبار، والدور الذي تلعبه قوات العشائر في محاربة تنظيم القاعدة وتنظيم داعش من جهة، ولتكمل مسلسل النصائح التي تطوع المسؤولون الأميركان في تقديمها للساسة العراقيين منذ سقوط النظام السابق، والتي أوصلت العراق إلى ما هو عليه الآن، من جهة أخرى.
يتوافد كبار الساسة العراقيين على واشنطن، للتبرك بالبيت الأبيض والاستماع إلى توجيهاته ونصائحه الثمينة! وربما للاستقواء به، فقد سبق النجيفي وفد آخر برئاسة المالكي، استمع أيضاً إلى مجموعة من نصائح الرئيس ونصائح نائبه وكبار المسؤولين الأميركان، في سياق التصرف كأوصياء على شؤون العراق. فالساسة العراقيون، رغم تباين ولاءاتهم، يتفقون على ضرورة عدم تجاهل حقيقة هامة، مفادها أن قواعد اللعبة السياسية وخطوطها العامة التي يمارسونها في بلدهم، ينبغي أن تحظى بمباركة اللاعب الكبير، الولايات المتحدة.
لسنا بصدد الدخول في محاور عديدة تتعلق بالعلاقات الأميركية العراقية، ولكن سنقتصر في هذه السطور على مقاربة الموضوع الذي بدأنا به، وهو دمج مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار بالقوات المسلحة، فهو موضوع قديم حديث في الوقت نفسه.
فقد كان آخر من أثار قضية دمج المليشيات بالجيش، أحد أعضاء مجلس النواب في الأول من أكتوبر الماضي، مطالباً الحكومة بشمول التركمان بقانون دمج المليشيات في القوات المسلحة، مشيراً إلى وجود أكثر من 2000 مقاتل تركماني شاركوا في إسقاط النظام السابق، لم يتم دمجهم بعد بالقوات الأمنية.
ليس في علمنا إن كانت هذه المليشيا أو تلك قد أسهمت في إسقاط النظام السابق، ولكن الذي نعرفه بالتأكيد هو أنه منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق بعملية الغزو الأميركي، دخلت العراق مليشيات عديدة تأتمر بأوامر أحزاب وتنظيمات مختلفة، تعاظم دورها في الشارع العراقي بعد أن اتخذت إدارة الاحتلال قرارها الخاطئ بحل الجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية.
ولم تستطع إدارة الائتلاف المؤقتة التي نصبت نفسها قيماً على الشأن العراقي، سوى الاعتراف بهذه المليشيات بدل التصادم معها، ولجأت للبحث عن وضعها في إطار قانوني.
وفي السابع من يونيو 2004، إثر نجاحها في التفاوض مع لفيف من الأحزاب السياسية (وردت في الإعلان أسماء عشرة أحزاب وتنظيمات سياسية)، أعلنت التوصل إلى اتفاق لدمج المليشيات والقوات المسلحة التي لم تكن تخضع لسيطرة الدولة العراقية. وهو قرار لم يستشر فيه مختصون بالشؤون العسكرية، ولم تدرس تبعات إضفاء الشرعية على هذه المليشيات على الأمدين القريب والبعيد.
وقد أثار هذا القرار في حينه الكثير من الخوف حول مستقبل المؤسسات الوطنية العراقية، وعلى رأسها القوات المسلحة، خاصة وأن عملية الدمج تتطلب الكثير من التغاضي عن مبادئ وتقاليد القوات المسلحة وشروط الأهلية لإشغال مختلف الرتب.
كما تتطلب غض الطرف عن مدى التنافر بين العقلية المليشياوية وعقلية المؤسسة العسكرية، مما يُشكّل عامل إعاقة يقف أمام ذوبان الكيان المليشياوي في الهيكل التنظيمي والعقائدي واللوجستي والتعبوي للقوات المسلحة، ليصبح أداة تعيق هذه القوات عن أداء دورها بمهنية وتجرد، بعيداً عن أجندة السياسيين وأهوائهم.
وقد أثبتت الأيام أن هذه المخاوف كانت في محلها، فقد أظهر بعض هذه المليشيات القوات المسلحة في أكثر من مناسبة، في مظهر لا يليق بها ولا يتماشى أو ينسجم مع قيمها ورسالتها.
"المليشيا" تنظيم ذو طابع عسكري، يتكون من مقاتلين غير محترفين، بأسلحة غير نظامية، يتم تشكيله خارج أطر مؤسسات الدولة وقوانينها، وربما تحدياً لها. ولهذا التنظيم أهداف سياسية، فقد يتشكل لحماية منطقة جغرافية معينة، أو حماية أحد المكونات الاجتماعية أو الدينية أو الإثنية، أو لممارسة مهام أخرى. قد يخدم هذا التنظيم في مرحلة معينة أغراضاً خاصة للدولة، وقد يتحول في أحيان أخرى إلى قوة خارج القانون تقلق الدولة، لأنها قوة تسعى لفرض قانون خاص بها.
تشكلت قوات عشائر الأنبار للدفاع عن مناطق معينة تسكنها هذه العشائر، وهي قوات خاصة تخضع، ولاء وتبعية، للقيادات القبلية في المحافظة. فهي من هذا المنطلق لا تعدو أن تكون مليشيا كسائر المليشيات الأخرى، ينتهي دورها متى ما أنجزت مهمتها.
ولسنا في وارد التشكيك في نوايا الأحزاب أو الكيانات التي عمدت إلى تشكيل مليشيات مسلحة في ظل أوضاع استثنائية، ومدت يدها لهذه الدولة الجارة أو تلك طالبة الدعم، فذلك موضوع ينبغي أن يدرس ويصار إلى تقويمه في سياق ملابسات زمن حدوثه. ولكننا نقول بكل وضوح، إن المؤسسات الأمنية في البلد وعلى رأسها القوات المسلحة، ينبغي أن تبقى مستقلة وبعيدة عن نفوذ الأحزاب السياسية وأمراء الطوائف.
فالمليشيات التي أدمجت بالجيش لم يتحول ولاؤها إلى القوات المسلحة، فهي قوى مسيسة لها أيديولوجيات تؤمن بها وأجندة تسعى لوضعها موضع التنفيذ، والمكان الوحيد المناسب لها لممارسة نشاطاتها بعد التخلي عن نزعتها العسكرية، هو الميدان السياسي الرحب الذي أتاحه الدستور للجميع، وليس ثكنات الجيش.
نصيحة الرئيس أوباما بدمج قوات العشائر في محافظة الأنبار بالجيش، ليست في صالح العراق ولن تضيف شيئاً إلى قدرات الجيش بل ستضعفه. والمطلوب ليس إغراق معسكرات القوات المسلحة بالمزيد من المليشيات، بل إعادة النظر في القرار الذي اتخذ قبل عشر سنوات، وإفراغ هذه المعسكرات منها.
المؤسسة العسكرية لها نهج وفلسفة وعقيدة في البناء مستمدة من قوة الانتماء للوطن وحده، وليس الانتماء لأي جسم آخر. وانطلاقاً من هذا الأساس فإن مهمة الجيش الأولى والوحيدة هي الدفاع عن البلد، ليس بتدعيم وتطوير قدراته على الردع فحسب، بل والارتقاء مهنياً وعددياً وقدراتياً إلى المستوى الذي يمكنه من لعب دور إيجابي في إرساء الأمن والاستقرار إقليمياً، مما يتيح للبلد فرص التطور في ظل سلم إقليمي وسلم محلي مجتمعي.