الوطنية الحقة ليست كلمات تغنى أو شعارات تردد، لكنها آثار تخلد سيرة، ومسيرة أفعال ومواقف وشواهد تحكي قصة وطن، وتضحيات بالنفس والمال وجهد يبذل، لذا فإن الوطنية في أسمى معانيها تعني أن يكون حب الوطن وتلبية ندائه سابقة على كل نداء، وأن يكون ترابه أغلى من التبر، وأن تبذل النفس فداء له هينة رخيصة، لهذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بذل نفسه دفاعا عن أرضه بجزاء الشهداء، كما اعتبر أن التولي والتخاذل يوم الزحف من الكبائر التي توجب عقاب الله، لأنها خيانة وتفريط في حق الأرض، التي أقلتنا وحنت علينا بإخراج ما استودعها الله من خيرات لننعم بها ولنرد لها الجميل حين نذود عنها.. كل هذا يؤكد حرمة الوطن وقدسيته، التي تقترن مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
وعلى الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة انتهجت السلمية خيارا في التعامل مع جيرانها، سواء على المستوى العربي أو الإقليمي أو الدولي وفي معالجة كل ما يواجهها من تحديات، إلا أن الحق يحتاج دائما إلي قوة تحفظه وتصونه، بل إن القوة هي الداعم الأكبر للنهج السلمي وتعظيمه، وهي الضامن الأكبر لمنع العدوان.. هنا تكون قوة الردع هي الأبرز كما يسميها العسكريون؛ والتي تعني أن قوة الدولة هي أكبر ضمان لعدم الاعتداء عليها، أو هي فن استخدام الوسائل والقوى لتحقيق الهدف دون الوصول إلى مرحلة الاشتباك، ومنع أية قوة معادية من اتخاذ فعل أو إجراء إزاء موقف معين.
لذا فإن قانون الخدمة الوطنية الإلزامي، والذي تفرض بمقتضاه الخدمة الوطنية على كل مواطن من الذكور الذين أنهوا الثانوية العامة أو أتموا 18 عاما، يعد في علم الاستراتيجية فن تعبئة وتوجيه لموارد الدولة ومصادر قوتها بكل أشكالها، لحماية وتدعيم مصالحها والحفاظ عليها من أي مصدر من مصادر التهديد، وقوة الدولة البشرية المدربة، والتي تكون على جاهزية عالية، على رأس هذه المصادر وفي مقدمتها.
ولا شك أن هذا القرار استقبله أبناء الوطن بفرحة كبيرة، ظهرت في مجالسهم وتغريداتهم، التي تابعتها وتناقلتها الصحف والقنوات الإخبارية في العالم. وأرصد هنا بعض ما نشرته قناة "الحرة" العربية عن مواطن يدعى عبدالله الشحي، حين قال "قرار الخدمة الوطنية الذي أقره مجلس الوزراء، يتطلب من شباب الإمارات إجابة واحدة فقط هي.. أبشر يا أغلى وطن"، والزرعوني يقول "الخدمة الوطنية شرف لكل مواطن إماراتي سواء كان ذكرا أو أنثى، وسام نضعه على صدورنا من أجل رفعة الوطن وحمايته، نحن درع للوطن". لقد حان الوقت الذي يشارك فيه كل أبناء الوطن في تحمل مسؤوليتهم الوطنية، والحفاظ على مكتسباته، والدفاع عن مقدراته التي ينعم بخيرها أبناؤه.
ولأن الوطنية لا تعرف التفرقة على أساس النوع، أو تقتصر على فرد دون آخر، كما أن المرأة في وطننا كانت شريكا أساسيا للرجل في رحلة البناء وما زال دورها مقدرا في مختلف المجالات، لذا فإن فتح باب الالتحاق بالخدمة الوطنية وجعله اختياريا للإناث، جاء لأنهن شركاء في محبة الوطن ومسيرة التنمية.
وفي تقديري أن الخدمة الوطنية لا تتوقف عند أداء واجب مقدس، ولكن تأهيل الرجال لهذا الواجب من اعتياد الانضباط، وصقل الشخصية، والاعتماد على النفس، والالتزام الخلقي، وتلقي المعارف والعلوم، وبناء الفكر، سينعكس على شخصيته وأدائه على مدار حياته، خاصة وأن هذه المرحلة هي التي تتكون فيها الشخصية، ويمتد تأثيرها على فترات طويلة من عمر الإنسان، وبذلك ينشأ لدينا جيل تربى في ميدان البطولة، ولا شك أن لذلك انعكاساته على كافة المؤسسات والدوائر التي سيلتحقون بها في المجتمع المدني، من سلوكيات اعتادوها خلال فترة خدمتهم الوطنية.
إن عبقرية هذا القرار تأتي من أنه فتح الباب لكي يعبر أبناء الوطن عن محبتهم لوطنهم، بالعمل الجاد من خلال الذود عن حياضه، والدفاع عن حدوده، والمحافظة على استقلاله، وأكرم به من شرف لا يدانيه شرف، كما أنه مثل رافدا جديدا يساهم في تنشئة شباب الوطن في مرحلة من أهم مراحلهم العمرية.
إن القيم التي يعيشها من ينتمي للخدمة الوطنية، من التضحية وبذل النفس والاعتماد على الذات، هي باب واسع من أبواب التنمية البشرية والاستثمار في الإنسان، كما أنها تمثل رصيدا إضافيا للعيون الساهرة التي تحافظ على ما حققه الوطن من إنجازات، خاصة وأن هذا الجيل هو من سيحمل راية الوطن وهم قادة المستقبل.
إن لكل مرحلة في حياة الشعوب متطلبات تحتاجها طبيعة التحديات التي تواجهها، ومسيرة اتحاد دولتنا مرت بمرحلة التأسيس ووضع الركائز القوية التي تضمن ديمومته وترسخه عاما بعد عام، وفيها تحمل المؤسسون الصعاب وتوحدت الرايات في سبيل أن ترفرف راية واحدة يستظل بظلها الجميع. والآن وبعد مرور ما يزيد على أربعة عقود، يتأكد للقاصي والداني يوما بعد يوم نفاذ بصيرتهم، وبعد نظرهم، وقراءتهم للتاريخ واستيعاب دروسه، التي تؤكد أن الاتحاد هو السبيل للبقاء والطريق إلى النصر.. آية ذلك أوروبا وكيف توحدت على ما كان بين دولها من قتل ودمار، إلا أنها تجاوزت خلافاتها وضمدت جراحها ليصبح الاتحاد الأوروبي كيانا واحدا.
ثم انتقلت دولتنا إلى مرحلة أخرى تلت مرحلة الاتحاد، وهي مرحلة بناء الدولة، وتكوين المؤسسات، وتوحيد القوات لمواجهة التحديات والتغلب عليها واحدة تلو الأخرى، في ملحمة عظيمة، ليشتد العود ويقوى، ويسلم الجيل المؤسس الراية إلى الجيل الذي تربى على عين المؤسسين، وتبدأ الدولة مرحلة الانطلاق الذي لا يعرف حدا، والمنافسة على الرقم واحد من خلال الحفاظ على الأمانة وتعظيم المكتسبات، ولتسطر دولتنا كل يوم صفحة جديدة من صفحات المجد والفخار..
ومرحلة كهذه تعاظمت فيها الإنجازات وارتفع البنيان وتفرد، تتطلب إضافة نوعية، وتجميعا لكافة أدوات الدولة وتعظيم قوتها، لذلك فإن قانون الخدمة الوطنية مطلب أساس لطبيعة المرحلة، وإفساح المجال لأبناء الوطن للتعبير عن محبتهم لوطنهم في ميدان الشرف والعزة.