إما أن تكون "هيومن رايتس ووتش" تتحدث عن دولة أخرى غير الإمارات التي نعيش فيها، وإما أن نكون نحن نعيش في دولة أخرى غير الإمارات التي تتحدث عنها "هيومن رايتس ووتش" في تقاريرها، احتمالان لا ثالث لهما إزاء ما نطالعه في تقارير هذه المنظمة عن دولتنا؛ دولة الإمارات العربية المتحدة التي يغبطنا عليها الأصدقاء، ويحسدنا عليها الحاقدون الذين يجدون في تقارير "هيومن رايتس ووتش" فرصة للنيل من إنجازاتنا، ووسيلة للطعن في إحرازنا النجاح تلو النجاح.
وهي تقارير تتيح مساحة يصطاد في مياهها العكرة أولئك الذين لفظتهم الإمارات ومن وراؤهم، لأن تركيبتهم المختلة لم تستطع أن تتواءم مع طبيعة أهل الإمارات الطيبين الذين يرفضون التحزبات والأفكار الدخيلة، وينبذون الانتماءات الخارجية، ولا يدينون بالولاء إلا للوطن وقيادته التي ارتقت به، وجعلته أفضل الأوطان.
دولة الإمارات التي تتحدث عنها تقارير "هيومن رايتس ووتش" ليست هي الدولة التي منحها قبل أيام مؤشر "مؤسسة إدلمان للثقة" المركز الأول عالمياً في ثقة الشعب في الحكومة والاقتصاد لعام 2014، رافعاً إياها من المركز السادس إلى الأول خلال عام واحد، لتكون الدولة الأكثر صعوداً في مؤشر المؤسسة التي مقرها نيويورك.
وهي ليست الدولة التي احتلت المركز الأول عربياً والرابع عشر عالمياً في تقرير "السعادة في العالم" لعام 2013 الذي أصدرته جامعة "كولومبيا" الأميركية، متقدمة بذلك على دول عظمى وعريقة مثل الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان.
انتقاد الأحكام التي صدرت بحق من أسمتهم المنظمة "معارضين" بالسجن لمدد تصل إلى 10 سنوات بتهمة العمل على قلب نظام الحكم، كما جاء في التقرير، هي انتقادات تحمل في مضمونها عوامل ضعفها، بل تحمل عوامل نقضها عندما تتحدث "سارة لي ويتسن" المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش" قائلة: "تعمل قوانين الإمارات القمعية، ونظامها القضائي المهلهل، على تكذيب جهود الحكومة لتقديم البلاد في صورة الدول المعتدلة التقدمية".
لأن المنظمة ومسؤوليها والجميع يعلمون جيداً أن "الأنظمة القمعية" لا تقدم معارضيها إلى قضاء مهلهل أو غير مهلهل، وإنما تخفيهم وراء الشمس، مثلما رأينا الكثير من الأنظمة القمعية في العالم الثالث تفعل.
ويعلمون جيداً أن دول العالم الأول تقوم بتغييبهم في سجون ومعتقلات مثل "غوانتانامو" دون محاكمات ولا أحكام ولا قضاة، وأن "الأنظمة القضائية المهلهلة" لا تقوم بالاستماع إلى المتهمين، ولا تتيح لهم توكيل من يدافع عنهم، ولا تحكم ببراءة البعض، وسجن البعض مدداً تعتبر قليلة مقارنة بالجرم الذي ارتكبوه.
وإنما ترسل أمثال هؤلاء المتآمرين على الوطن وأمنه إلى المشانق، أو تودعهم السجون مدى الحياة، لأنهم يشكلون خطراً على الوطن واستقراره، وما يحدث الآن في ما يسمى بدول "الربيع العربي" خير شاهد على ذلك، لكن عيون "هيومن رايتس ووتش" ومدراءها كما يبدو مصابة بالحول، أو أنها تعاني من عمى ألوان من نوع لم يكتشفه علماء الطب بعد.
ويبقى الجزء الأكثر هزلية في تقرير "هيومن رايتس ووتش" العجيب، وهو الجزء الذي تقول فيه المنظمة إن دولة الإمارات لم تحقق تقدماً يذكر في مجال حقوق العمال الوافدين وحقوق المرأة، وتتهم قوانين العمل في الدولة بأنها تعمل على استعباد العمالة المنزلية المكونة بشكل شبه حصري من سيدات وافدات، وحرمانهن من تدابير الحماية الأساسية. وإزاء هذا التحامل نقول:
فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها نحيل معدي التقرير إلى "مؤشر الفجوة بين الجنسين" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث تصدرت دولة الإمارات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذا المؤشر، كما نحيلهم إلى نساء الإمارات أنفسهن اللواتي تقلدن أرفع المناصب.
فأصبحت منهن الوزيرة، ووكيلة الوزارة، والمديرة، والسفيرة، وعضوة البرلمان؛ هؤلاء النساء اللواتي احتفلن باليوم الوطني الثاني والأربعين أخيراً تحت شعار "أسعد نساء العالم"، ونسأل: من نصدق؛ نساء الإمارات اللواتي يعتبرن أنفسهن أسعد نساء العالم، أم السيدة "سارة لي ويتسن" التي لا تعرف دولة الإمارات ونساءها ورجالها؟
وأما فيما يتعلق بحقوق العمال الوافدين، فنحيل معدي التقرير إلى العمال الوافدين أنفسهم لسؤالهم عن السبب الذي جاء بهم إلى الإمارات، ونطلب منهم تخييرهم بين البقاء في الدولة التي تستعبدهم، كما يقول التقرير، وبين العودة إلى بلدانهم لينالوا حقوقهم كاملة غير منقوصة.
كما نطلب من معدي التقرير أن يسألوا العمال من مختلف الجنسيات: لماذا يتسابقون على القدوم إلى الإمارات، ولماذا يدفعون العمولات والأتاوات في بلدانهم للفوز بفرصة عمل في الإمارات؟ هل لأن الإمارات هي الجحيم الذي يساقون إليه مرغمين، أم لأنها الجنة التي يحلمون بدخولها والعيش فيها؟!
هذه هي قمة الهزلية، أما قمة الوقاحة فهي أن تحجز المنظمة قاعة في فندق بالدولة كي تعقد مؤتمراً صحافياً تعلن من خلاله هذه الاتهامات القائمة على الأباطيل والمغالطات.
أما قمة الاستغلال الرخيص فهو نوح المتباكين على حقوق الإنسان وحرية التعبير، متخذين من تقرير المنظمة وسيلة لتشويه صورة دولة الإمارات التي تزداد كل يوم بهاءً ونضارة، رغم أنف النائحين والناعقين وأصحاب النفوس المريضة الذين لا مكان لهم في هذا الوطن.
أما الحقيقة الناصعة فهي أن دولة الإمارات التي يتحدث عنها تقرير "هيومن رايتس ووتش" هي دولة لا نعرفها، فدولة الإمارات التي نعرفها هي الدولة التي نعيش فيها، نلتف حول قيادتها، ولا نتصور لنا وطناً غيرها.