قليلة هي الأمور الأكثر جدلية في السياسة الأميركية من "حزب النمر الأسود"، الذي نشأ في الستينات وشهد صعوداً مدوياً ثم تلاشى بعدها بسنوات معدودة. فالكثيرون في أميركا يشعرون بالخوف أو الغضب فور سماعهم اسم الحزب، بينما يشعر آخرون بالشفقة على حزب تم تشويهه عمداً وتخريبه حتى انهار تماماً.
وحزب النمر الأسود، كان جزءا مما عرف في ستينات القرن الماضي باسم حركة "القوة السوداء". فرغم الإنجازات التي حققتها حركة الحقوق المدنية منذ منتصف الخمسينات وحتى منتصف الستينات، إلا أن ذلك الإنجاز لم يكن كافيا بالنسبة للشباب.
فمنظمات الحقوق المدنية حاربت الفصل العنصري في ولايات الجنوب تحديدا، بينما كانت أوضاع المناطق الحضرية في الشمال شديدة الاحتقان، وبرزت شمالاً وجنوباً حيل وأشكال مختلفة لحرمان السود من حقوقهم المتساوية. ومن ثم شعر أولئك الشباب بأن القضاء على الفصل العنصري في القانون لم يؤثر على النزعات العنصرية أو التمييز، ولا هو حتى أثر على عنف الأجهزة الأمنية الذي كان يمارس بشكل منظم، خصوصا ضد الشباب السود في الشمال والجنوب. وفي تلك الفترة برزت منظمة تدعى "اللجنة التنسيقية للطلاب السلميين"، وجهت انتقادات لاذعة لحركة الحقوق المدنية، إذ اعتبرتها "تقيس أهدافها وإنجازاتها وفق معايير البيض".
وكانت هي أول من سلط الأضواء على تعبير "القوة السوداء"، الذي صار لاحقا يشير لحركة واسعة ضمت منظمات أخرى كثيرة. "والقوة السوداء" كحركة، قامت كرد فعل للاضطهاد والقهر وما ينتج عنه من شعور بالهزيمة والدونية. لذلك، قامت الحركة على الفخر العرقي والاعتزاز بالذات السوداء، واستلهام الحضارة الإفريقية واستحضارها، باعتبارها التراث العظيم الذي ينتمي له السود في أميركا. وفي هذا السياق نشأ حزب "النمر الأسود" عام 1966، وعند نشأته كان هدفه الرئيسي هو مكافحة عنف الشرطة ضد السود، عبر قيام أعضاء الحزب بمراقبة رجال الشرطة وهم يلقون القبض على المشتبه فيهم.
والحقيقة أن مراقبة الشرطة تكتيك قانوني معترف به في أميركا، واستخدمته قبل الحزب منظمة تعمل من أجل حقوق السكان الأصليين، لكن ما إن استخدمه حزب النمر الأسود حتى أثار فزعا في المجتمع، رغم أن أعضاء الحزب كانوا يلتزمون حرفيا بالقانون، ولا يقتربون أكثر من ثمانية أقدام من رجال الشرطة. غير أن أعضاء الحزب كانوا يحملون السلاح عند خروجهم لمراقبة الشرطة، وهم لم يستخدموا ذلك السلاح في تلك الجولات، وقالوا إنهم يحملونه دفاعا عن النفس، خصوصا أن الاسم الرسمي للحزب كان "حزب النمر الأسود للدفاع عن النفس".
الجدير بالتأمل هو أن الحزب اتهم بالعنف لأنه يحمل سلاحا، رغم أن "حمل السلاح" في الولايات المتحدة حق ينص عليه الدستور الأميركي صراحة. والخوف من السلاح فقط حين يحمله السود، يحمل في ذاته دلالات تستحق التأمل.
لكن الحزب حظي بشعبية وشرعية بين السود، لوقوفه ضد انتهاكات الشرطة لحقوقهم. كما كان أعضاء الحزب يقدمون خدمات بالمجان للأحياء السوداء الفقيرة، حيث أنشأوا المدارس والعيادات الطبية، ووزعوا المأكولات على المحتاجين. وفي تلك المرحلة كان الحزب يحظى بدعم الليبراليين البيض، لنجاحهم في مساعدة السود.
لكن نجاح الحزب تم تشويهه، عبر ملاحقة أجهزة الأمن والمواجهات العنيفة التي كانت تنخرط فيها مع أعضاء الحزب، لكن الأخطر أن الأجهزة الأمنية عمدت لتضييق الخناق على الحزب وملاحقة أعضائه وسجنهم. أكثر من ذلك، كان مكتب التحقيقات الفيدرالية ينفق الملايين من الدولارات على برنامج أعد خصيصا للقضاء على الحزب، وهو البرنامج الذي استخدم أساليب عدة منها لتشويه الحزب وبرنامجه السياسي، واختراقه بالكامل.
وكان الهدف من ذلك الاختراق ليس فقط مراقبة أعضاء الحزب والتجسس عليهم، وإنما إحداث الوقيعة بينهم، وهو الأمر الذي تكشفت أبعاده في وقائع مختلفة. ففي غمرة الحرب بين نيكسون والصحافة بخصوص أوراق البنتاغون، برزت قضية "كلادويل" الشهيرة، التي نظرت أمام المحكمة العليا في عام 1972.
فإيرل كلادويل كان أحد الصحفيين المشهورين في ذلك الوقت، وقد عمل على توثيق كل ما يتعلق بحزب النمر الأسود، فقابل كل أعضائه وحصل منهم مباشرة على معلومات ثرية. وقد تعرض كلادويل لضغوط شديدة من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالية، ليكون عميلا ويسلمهم أسرار الحزب، فرفض ذلك ورفع الأمر للقضاء، فحكمت المحكمة العليا لصالح الصحفي الشهير باعتبارها متعلقة بحرية الصحافة والحفاظ على المصادر.
وبعد أن انهار الحزب، وتلاشى، كشف تقرير أعدته لجنة خاصة في مجلس الشيوخ عن الحقيقة كاملة. وقد صدر التقرير بعنوان "البرنامج السري للقضاء على حزب النمر الأسود"، فكشف عن العمليات غير القانونية التي قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي بهدف القضاء على الحزب، والتي كان آخرها عملية اقتحام لمنزل رئيس الحزب في ولاية إلينوي، انتهت بقتله هو وعضو آخر وإصابة أربعة. وكانت تلك العملية بداية النهاية للحزب، الذي تمزق ونجحت الوقيعة بين رموزه حتى تلاشى تماما في منتصف السبعينات.
إلا أن عددا من المنظمات السوداء أخذت على عاتقها اللجوء للقضاء باسم الحزب، ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي، لكن القضية ظلت في المحاكم حتى عام 1983، حين اضطرت الحكومة الفيدرالية لتسوية الأمر عبر دفع تعويض قدره 1,8 مليون دولار للذين نجوا من مذبحة الحزب.
ورغم أن حكم المحكمة وتقرير الكونغرس أثبتا الدور الحكومي لتشويه الحزب والقضاء عليه، إلا أن القليلين جدا من الأميركيين انتبهوا لذلك التطور، فظلت سمعة الحزب مشوهة كما هي. ولعل آخر ما صدر عن رموز الحزب في الألفية الجديدة، كان لجوءهم للقضاء ضد سرقة اسم الحزب من جانب مجموعة موجودة حاليا، أطلقت على نفسها الاسم نفسه دون وجه حق. وهو الاسم الذي ارتبط بقصة مريرة لحزب تلاشى، بل وبصعود وأفول حركة "القوة السوداء" نفسها.