العلاقة بين النظام التعليمي والمجتمع علاقة تبادلية، لذلك يطلق عليها مصطلح العملية التعليمية، وكلمة عملية تدل على التفاعل بين طرفين كلاهما يوثر في الآخر ويتأثر به؛ بمعنى أن المجتمع والتحديات التي تواجهه والمرحلة الحضارية التي يمر بها، تفرض نوعية التعليم التي تلبي حاجاته ويجد فيها حلولاً لما يواجهه من عقبات قد تختلف عن غيره من المجتمعات، كما أن المنظومة القيمية للمجتمع تفرض نفسها على طرق ومناهج التدريس، وتضع لها سياجاً أخلاقياً، وتؤطرها في شكل مقبول مجتمعياً.

كما أن النظام التعليمي يؤثر بدوره على أفراد المجتمع، ويحدد توجهاتهم وتكوينهم الفكري، ومنطلقاتهم البحثية، ليس فقط في العلوم الإنسانية ولكن كذلك في العلوم الطبيعية التي تبدو أكثر تحديداً، إلا أنك تجد أن المدرسة الطبية الأميركية تختلف في تعاطيها مع المرضى عن المدرسة الفرنسية التي تهتم بالجانب النفسي للمريض، وترى أنه فاعل ومهم إلى جانب التدخل الطبي، وتختلف عنهما المدرسة الهندية أو الصينية اللتين تلعب فيهما الثقافة الموروثة دوراً أكبر.

الشاهد أنه رغم أن العلم ليس له وطن، إلا أن المجتمعات تنتقي من العلوم ما يناسبها ويأتي بأفضل النتائج على مسيرتها، وأن النظام التعليمي لا بد أن يتماهى مع احتياجات بيئته، لأنه في الأخير يسعى لتخريج كوادر معنية بقضايا هذا المجتمع بالدرجة الأولى.

لذا عندما تحدثت القيادة الرشيدة عن مبادرة التعليم الذكي، جاءت بها في السياق الطبيعي لها حين جاءت تحت مسمى "رؤية الإمارات 2021"، والإطار هنا له دلالته، خاصة أن التعليم من القضايا الحياتية التي لا تقل في أهميتها عن الغذاء وعن الصحة، ذلك أنه هو المحقق لتلك القضايا، وهو الضامن لها، وبتجويده تجود، والعكس صحيح، كما أنه هو المكون للفكر، والمهذب للسلوك الذي يتعامل بوعي يعظّم من نتائج استخدامات كل المنتجات الحضارية.

إن الثورة المعلوماتية التي نعيشها جعلت حجم المعلومات على سطح كوكبنا يتضاعف بمقدار الضعف كل عام، بصورة تجعل من المستحيل متابعة هذا الكم المعرفي الكبير بأدوات تقليدية، سواء في التخزين أو التصنيف أو الاستدعاء، فضلاً عن انعكاس مستجدات العصر على كل نظمنا المجتمعية، وفي مقدمتها العملية التعليمية.

ولأن القيادة الحقة هي التي لا تقف كثيراً أمام ما حققته من إنجازات مهما كانت كبيرة، لكنها تتطلع دائماً إلى الأمام لتحقيق إنجاز جديد، ولأن الإمارات لم تعد تقنع بالمألوف وأصبحت ثقافة التميز مزاجاً عاماً، كما أن طبيعة العصر الذي نعيشه كذلك فرضت علينا تحديات تغير معها الكثير من المفاهيم بفعل اقتحام التكنولوجيا لحياتنا، من هنا كانت "الأجندة الوطنية"، التي تنطلق فيها الإمارات خلال الأعوام السبعة المقبلة في كل المجالات، ومنها مبادرة التعليم الذكي، والتي جاءت بروح وطنية خالصة.

حيث عمل عليها أكثر من 300 مسؤول من أبناء وبنات الوطن من 90 جهة حكومية اتحادية ومحلية، فأهل مكة أدرى بشعابها، استكمالاً لمسيرة الإنجازات التي تم تحقيقها من خلال فرق العمل المحلية، التي تعمل في إطار متناغم تحت قيادة تمتلك أهم عنصر من عناصر النجاح، وهو وضوح الرؤية والقدرة على تحديد الأولويات..

كذلك تحديد سقف زمني نستطيع من خلاله أن نحدد فترة يتم التقييم بعدها، وهو الثقة التي توليها القيادة الرشيدة لأبناء الوطن، وهو ما يخرجها من إطار الأماني إلى حقيقة ماثلة، وهو ما أكدت عليه أجندة السنوات السبع، حين حددت أن النسبة المستهدفة للتخرج في المرحلة الثانوية ومن لديهم مهارات عالية في اللغة العربية وفق الاختبارات الوطنية، هي 90%.

ومن الأهمية بمكان إدراك أن مبادرة التعليم الذكي، والتي جاءت في إطار الأجندة الوطنية، لا تتوقف عند استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة، ولكنها تعني التعليم عبر الاستقصاء؛ تعليم غير معني بملء عقل الطالب بكم ضخم من المعلومات، التي لا يدري ماذا هو صانع بها، ولكنه تعليم معني بتوظيف المعلومة في حل موقف أو مشكلة، من خلال عرض قضية معينة أو موقف ودراسته من كل جوانبه، ثم التفكير في كيف يتم استخدام المعلومة في ابتكار حل لها والتأكد من النتائج.

الحقيقة تأتي من أنه يتيح للطالب أن يتعلم بشكل أفضل من خلال "التعلم بالممارسة"، فيتعلمون من أخطائهم، ويتعلمون عن طريق تشكيل وصياغة المعرفة بطريقة فردية مميزة جداً، ودمج وسائط عرض، مثل النص والصوت والصورة الثابتة والمتحركة التي تساعد في إخراج ما لدى الدارس من إبداع، كما أن من متطلبات التعليم الذكي تغيير البيئة المدرسية ذاتها، وإبداع نظام تعليمي متكامل له مخرجات محددة يمكن قياسها بشكل دقيق.

غير أن ذلك يحتاج إلى معلمين لديهم العديد من المهارات، منها القدرة على التعامل مع التكنولوجيا، فضلاً عن البعد عن الطرح التقليدي الذي يتعامل مع عقل التلميذ باعتباره خزينة للمعلومات وعلى قدر امتلائها يكون مستواه الدراسي، ثم يأتي الاختبار ليفرغها ثم يملأها مرة أخرى، دون أن يدري ما هي الاستفادة التي نالها مما سبق وكيف يفعل بما هو آت.

إننا نحتاج إلى المعلم الذي يملك القدرة على قدح الشرارة عند طلابه واستنفار قدراتهم العقلية، ولا يتوقف دوره عند عرض المعلومة، بل يتعداه إلى توظيف المعلومة وكيف يستفيد منها الطالب. فبدلاً من أن نعلم الطالب القاعدة النحوية صماء، الأهم أن يتعلم كيف يكتب موضوعاً إنشائياً، ومن خلاله نستخرج القاعدة التي لن ينساها لأنه تعلمها برؤية جديدة.

إن نجاح مبادرة التعليم الذكي مرتبط إلى حد كبير بالمهارات التي يمتلكها المعلم، ذلك أن دوره سيظل محورياً في العملية التعليمية، وسيمتد خارج الفصول الدراسية وساعات الدراسة المحددة، لتكون هناك حالة من التواصل المستمر بين التلميذ ومعلمه.

لذلك فإن معلم الروضة في ألمانيا لا بد أن يكون حاصلاً على درجة الماجستير، ولما طالب الأطباء مساواتهم في الأجور بالمعلمين، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل "كيف أساوي بينكم وبين من علموكم؟".. وفي حالة كهذه سنجد الكفاءات والمتميزين هم من يقبلون على كليات التربية.